حديث (كُلّ موْلودٍ يُولدُ على الفِطرَة فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجسّانه)
20 ديسمبر 2017
ما يقال لمن رأى في منامه ما يكرهه
21 ديسمبر 2017

الإمام أبو إسحاق الجبنياني المالكي رحمه الله

أبو إسحاق الجبنياني رحمه الله

أحد أئمة المسلمين وأبدال أولياء الله الصالحين وقد جمع الفقيه أبو القاسم اللبيدي وأبو بكر المالكي من أخباره وسيره، ما ذكرنا هاهنا عيوناً منه.

هو ابراهيم بن أحمد بن علي بن مسلم البكري من بكر بن وائل، كان سلفه من أهل الخطط بالقيروان، ولهم مسجد يعرف بمسجد أبي مسلم بها، وجدّه علي من أصحاب سحنون، وكان أبو إسحاق قد سمع من العلماء وله من عيسى بن مسكين إجازة وكتب عن أبي بكر ابن اللباد.

قال اللبيدي: وكان ابن اللباد به متعجباً، وكان أكثر دراسته بالساحل، على أبي علي حمود بن سهلون، صاحب ابن عبدوس، وأخذ أيضاً عن محمد بن علي، بن عبد الرحيم بن علي ابن عبد ربه، وأبي يوسف ابن مسلم، وجماعة سواهم، وكان يقول: لقد رأيت هذا الساحل، وما منه قرية إلا بها رجل من أهل العلم والقرآن، أو رجل صالح يزار.

قال أبو الحسن القابسي: لما رأيت هديه، وسمته في نفسه، وصلاته وحاله، رأيت شبيه السلف الصالح، وكان يقول: وقف أبو إسحاق على أقل عيش في الدنيا، فقال أروني منزلة دونها أنزل إليها.

قال أبو القاسم: وكان أبوإسحاق ظاهر الحزن، كثير الدمعة، يسرد الصيام.

قال ابنه أبو الطاهر: إنه ما رآه مفطراً قطّ، قال، وقال لي أبي: إن إنساناً أقام في آية سنة، لم يتجاوزها، وهي قوله تعالى (وقفوهُم إنهم مسؤولون)، فقلت له: أنت هو؟ فسكت، فعلمت أنه هو، وكان إذا دخل في الصلاة، لو سقط البيت الذي هو فيه ما التفت إقبالاً على صلاته واشتغالاً بمناجاة ربه.

قال أحد أولاده: خرجنا عند الغروب من صفاقس مع الشيخ فأظلم علينا الليل، فلقينا السلاّبة، وقد شهروا حديدهم فلما قربوا من الشيخ، قال: لا إله إلا الله، ينبغي للخلق أن يستحيوا من الله.
ففرّت السلابة، ثم تمادينا نمشي في الظلمة فإذا مشعلة نار مرة عن يميننا ومرة عن يسارنا حتى حاذينا منزل مروان العابد، فقال الشيخ: أنا أرجع الى عند مروان، وتمادوا أنتم ثم حوّل وجهه الى الشعلة، فقال: يا فاسق، يا لعين، قد عرفناك، واتقيناك، إخساً فعليك لعنة الله، وطفيت الشعلة.

قال أبو القاسم: كان الجبنياني حكيم القول وكان إذا رئي ذكر الله تعالى من هيبته قد جفّ جلده على عظمه واسودّ لونه، كثيرالصمت قليل الكلام، فإذا نطق،نطق بالحكمة.

قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق قلما يترك ثلاث كلمات، كن الخير كله: اتّبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، من ورع لم يتسع، وكثيراً ما يقول: خمسة تعاونوا على هلاك ابن آدم المسكين: مؤمن يحسده، وكافر يرصده، وشيطان مارد، ودنيا حاضرة، ونفس أمارة بالسوء.

قال اللبيدي: توفي أبو إسحاق رحمه الله يوم الأحد السابع من محرم سنة تسع وتسعين وثلاثماية، ودفن يوم الإثنين بعده بشرق جبنيانة، وسنّه تسعون سنة، ووجدت بعد موته رقعة تحت حصيره، مكتوبة بخطه: رجل وقف له هاتف فقال له: أحسن، أحسن عملك، فقد دنا أجلك، فقال لي ولده عبد الرحمن: إنه كان إذا قصّر في العمل، أخرج الرقعة، فنظر فيها، ورجع الى جدّه، وصلى عليه ابنه أبو الطاهر، واجتمع إليه خلق كثير، خرجوا به غدوة الاثنين، فما وصلوا الى الصلاة عليه إلا بعد الزوال، وما وجدوا له في الدنيا قليلاً ولا كثيراً، إلا أمداد شعير في قلة مكسورة، والحجرة التي كان يسكنها إنما كانت لابنه رحمه الله ورضي عنه.

كان عنده من الأولاد سبعة، أبو بكر وأبو الطاهر أحمد وأبوعبيد الله محمد وأبو علي وأبو زيد عبد الرحمن وأبو محمد عبد الله وأبو الحسن علي.

فأما أبو علي فمات قبل أن يحتلم ثم مات عبد الله وهو دون الثلاثين وكان أشد من الشيخ اجتهاداً في العبادة قتله القرآن كلما مرّ بوعد أو وعيد بكى حتى أذاب الحزن فؤاده فمات.

قال أبو القاسم اللبيدي: فحضرت موته والشيخ يلقنه حتى مات فأغمضه ، ثم استرجع على المصيبة ودعا له، ثم قال لوالدة عبد الله وهي زوجة الشيخ وكانت قريباً منه في الفضل والعبادة: احمدي الله، فقد مات على الإسلام وجعل في صحيفتك فإن كان عندك طيب فتطيبي وتجملي لنعم الله عز وجلّ وأخرج ميزراً عنده، تجمّل به وركع ثم جلس للناس والبشر ظاهر عليه وتوفي أبو الحسن أيضاً في حياة أبيه.

وتوفي عبد الرحمن بعد أبيه بثلاث سنين وكان من الفقهاء العباد يختم في كل ليلة ختمة.

وأما أبو الطاهر فكان من أهل القرآن وكتب الحديث ولقي أبا الورد وغيره، وكان أبو بكر وأبو عبد الله من أهل القرآن ويعلّمانه رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين.

من ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للإمام القاضي العلامة الحافظ شيخ الإسلام أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي ثم السبتي المالكي توفي 544 هـ رحمه الله تعالى.

صُور المقام

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *