ترْكُ الغَفْلَةِ وقصةُ اللَّبِنَةِ التي تكلّمِتْ وعَدَمُ الكَثْرَة مِنَ النَظَرِ في التلفزيون

قال الفقهاء [يكره أن يقال لمن تزوج (بالرِّفاء والبنين) لحديث ورد بالنهي عنه]
4 يوليو 2018
طريق الاستعداد لما بعد الموت
5 يوليو 2018

ترْكُ الغَفْلَةِ وقصةُ اللَّبِنَةِ التي تكلّمِتْ وعَدَمُ الكَثْرَة مِنَ النَظَرِ في التلفزيون

إنّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكُرُهُ ونستغفِرُهُ ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سَيّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضلَّ لَهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، هوَ اللهُ الذي لا إلهَ إلا هوَ الذي ليسَ متحيّزًا في الأرضِ ولا في السماءِ، كانَ قبلَ المكانِ والزمانِ وهو الآنَ على ما عليهِ كانَ، لا يمكنُ تصويرُهُ في القلبِ لأنّهُ لا شبيهَ لهُ في الموجوداتِ، في الأرضِ سلطانُهُ وفي الجنّةِ رحمتُهُ وفي النّارِ عقابُهُ.

وأشهدُ أنّ سيِّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرَّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ، بلّغَ الرسالَةَ وأدّى الأمانَةَ ونصَحَ الأمّةَ، فجزاهُ اللهُ عنّا خيرَ ما جزَى نبيًّا منْ أنبيائِهِ، الصلاةُ والسلامُ عليكَ يا سيّدي يا محمّدُ يا رسولَ اللهِ.

أنا يا رسولَ اللهِ صبٌّ يشوقُني *** منَ القُبّةِ الخضراءِ أنوارُها الخُضْرُ

فأحيَا على حُلمِ الوِصالِ مُؤَمِّلاً *** ويعرو فؤادي منْ غَرامِكَ ما يَعرو

فأنتَ حبيبُ الروحِ، أنتَ يا رسولَ اللهِ، أنتَ يا حبيبَ اللهِ، أنتَ يا أغلَى مِنْ نورَ العيونِ.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فإني أوصيكُمْ ونفسِي بتقوى اللهِ العليِّ القديرِ القائلِ في مُحكمِ كتابِهِ (وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (سورة النساء 69).

فاعلَمْ يا عبدَ اللهِ يا مَنْ صِرْتَ منَ المكلفينَ أنّ عليكَ فرائض أنتَ مطالبٌ بها وأنّ الملكينِ يحصيانِ الفاظَكَ ونظراتِكَ، وأنَّ أنفاسَ الحيِّ خُطاهُ إلى أجَلِهِ ومقدارَ اللُّبْثِ في الدنيا قليلٌ والعذابَ على موافقةِ الهوى وبيلٌ، فأينَ لذةُ أمسٍ؟ رحلتْ وأبقتْ ندمًا وأينَ شهوةُ النفسِ؟ كمْ نكّسَتْ رأسًا وأزلّتْ قدَمًا، وما سَعِدَ مَنْ سَعِدَ إلا بخلافِ هواهُ، ولا شَقِيَ مَنْ شَقِيَ إلا بايثارِ دُنياهُ، فاعتبرْ بمنْ مضى منَ الملوكِ والزّهادِ أينَ لذةُ هؤلاءِ؟ وأين تعبُ أولئكَ؟ بقيَ الثوابُ الجزيلُ والذِّكْرُ الجميلُ للصالحينَ، والقالَةُ القبيحةُ والعقابُ الوبيلُ للعاصينَ، وكأنه ما جاعَ مَنْ جاعَ ولا شَبِعَ مَنْ شَبِعَ.

واسمعوا معي اخوةَ الإيمانِ ما قدْ جاءَ في كتابِ التذكِرَةِ في أحوالِ الموتى وأمورِ الآخرةِ، يُحكى أنّ رجلينِ تنازعا وتخاصما في أرضٍ فأنطقَ اللهُ عزَّ وجلَّ لَبِنَةً (أي حَجَرًا) منْ حائطِ تلكَ الأرضِ، اللهُ أنطقَها لذلكَ الوقتِ ليسَ للدوامِ لتكونَ عبرةً لمنْ عَلِمَ بحالِها، فقالتْ يا هذانِ فيمَ تتنازعانِ؟ وفيمَ تتخاصمانِ؟ إني كنتُ ملِكًا منَ الملوكِ ملكتُ كذا كذا سنةً ثُمّ مِتُّ وصرتُ ترابًا، فبقيتُ كذلكَ ألفَ سنةٍ ثُمّ أخذني خَزّافٌ (يعني فَخّارًا أيِ الذي يَعْمَلُ الفَخّارَ) فعملَ مني إناءً فاستُعْمِلْتُ حتى تكَسَّرْتُ ثُمّ عدتُ ترابًا فبقيتُ ألفَ سنةٍ، ثم أخذني رَجلٌ فضربَ مني لَبِنَةً (أيْ حَجرًا) فجعلني في هذا الحائطِ، ففيمَ تنازُعُكُما وفيمَ تخاصُمُكُما؟

فيا أخي المؤمن، الدنيا غرّارةٌ مكّارةٌ تُعرِضُ عنِ المقبلِ فتزيدُ اقبالَهُ وتُقبِلُ على المعرِضِ وتُريدُ اذلالَهُ، لَها قيودٌ وأغلالٌ وأخطارٌ وأهوالٌ تَخفى على المغرورِ فلا يزالُ يتخبّطُ في المحذورِ.

فيا أخي المؤمن أدِّ كلَّ ذي حقٍّ حقّهُ منْ زوجةٍ وولدٍ وقرابةٍ وانظرْ كلَّ ساعةٍ منْ ساعاتِكَ بماذا تذهبُ فلا تودِعَها إلا أشرفَ ما يمكنُ ولا تُهمِلْ نفسَكَ وعودها أشرفَ ما يكونُ منَ العملِ وأحسَنَهُ وابعثْ إلى صندوقِ القبرِ ما يُسِرُّكَ يومَ الوصولِ إليهِ كما قيلَ:

يا مَنْ بدنياهُ اشتغلْ *** وَغَرَّهُ طولُ الأَمَلْ

الموتُ يأتي بَغْتَةً *** والقبرُ صُندوقُ العَمَلْ

راعِ عواقبَ الأمورِ يهُنْ عليكَ الصبرُ عنْ كلِّ ما تشتهي وما تكرَهُ إنْ وجدتَ منْ نفسِكَ غفلةً فاحملْها إلى المقابِرِ وذكرها قُربَ الرحيلِ فالدنيا ظاهرُها حلوٌ جميلٌ وحقيقتُها غَمٌّ طويلٌ تتجمّلُ بجواهرِ الشهواتِ ولآلِىء الملذّاتِ وخيوطُ عقودِها حيّاتٌ حيّاتٌ.

يا مَنْ يعانِقُ دُنيا لا بقاءَ فيها *** يُمسي ويُصبِح مغرورًا وغرّارا
هلا تركتَ منَ الدّنيا معانقةً *** حتى تعانقَ في الفرْدَوْسِ أبكارا
إن كنتَ تبغي جنانَ الخُلْدِ تسكنُها *** فينبغي لكَ انْ لا تأمَنْ النهارا

فيا أخي المؤمن لقد كانَ السلفُ الصالِحُ رحمَهُمُ اللهُ يحبونَ جَمْعَ كلِّ فضيلةٍ ويبكونَ على فواتِ واحدةٍ منها.
قالَ إبراهيمُ بنُ أدهم رحمهُ اللهُ: دخلنا على عابدٍ مريضٍ وهوَ ينظرُ إلى رجليهِ ويبكي فقلنا ما لَكَ تبكي؟
فقال ما أغْبرَنا في سبيلِ اللهِ، وبكى ءاخرُ فقالوا ما يبكيكَ؟
فقال على يومٍ مضى ما صُمْتُهُ وعلى ليلةٍ ذهبتْ ما قمتُها. أي ما قامَ ليلَها للصلاةِ.

فيا أخي المؤمن الغافلُ مَنْ مرّ عليهِ تعاقُبُ الليلِ والنهارِ وتعاقبُ الأهلّةِ والسنواتِ وهو لا يقفُ عندَ هذا التغيّرِ والتبدُّلِ إلا ليأكلَ وينامَ، أما الفَطِنُ اللبيبُ فلهُ عندَ كلِّ تغيُّرٍ وقفةٌ وعندَ كلِّ تبدُّلٍ خطةٌ وعندَ كلِّ حَدَثٍ موعظةٌ وتوبةٌ.

يا ابنَ ءادَمَ حياتُك في هذه الدنيا لَمْ تُعطَ لكَ إلا لمرةٍ واحدةٍ فعُمرُكَ فيها كِنْزٌ لكَ وراسمالَكَ لَمْ تُخلَقْ عبَثًا ولَمْ تُترَكْ سُدًى فانتبِهْ واستيقِظْ واتقِّ اللهَ واعملْ لآخرتِكَ قبلَ أنْ تموتَ فالآخرةُ جنةٌ إلى ما لا نهايةَ أو نارٌ إلى ما لا نهايةَ.

هذا وأستغفِرُ اللهَ لي ولكُمْ.

الخُطبةُ الثانيةُ

التلْفِزيون يُعَلِّمُ الفَسَادَ اليَوْمَ

إنَّ الحمدَ للهِ نَحْمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكُرُهُ ونستغفرُهُ ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سَيِّئاتِ أعْمالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضلِلْ فلا هادِيَ لَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا محمّدٍ وءالِهِ وصحبِهِ الفائزينَ مِنَ اللهِ بالدَّرَجاتِ العُلَى.

أما بعدُ إخوةَ الإيمانِ، فإني أوصيكُمْ ونفسي بتقوى اللهِ العليِّ القديرِ وبالثباتِ على نهجِ سيِّدِنا محمّدٍ الصادقِ الوعدِ الأمينِ الذي أمرَ بالصِّدقِ وباتِّباعِ الحقِّ وبالتمَسُّكِ بالصَّوابِ وبنبذِ كلِّ ما هوَ مخالفٌ لدينِ اللهِ.

أكثرُ النّاسِ هذهِ الأيّامَ يسهرونَ على التلفزيون، هذا شىءٌ لا خيرَ فيهِ، لَوْ كانُوا يسهرونَ على قراءةِ القرءانِ، الذِّكْرِ كانَ خيرًا لكنْ يسهرونَ على التلفزيون.

هذا التلفزيون يعلّمُ الفَسادَ اليومَ لأنّه تُعْرَضُ فيهِ أشياءُ قبيحةٌ، الشابُّ الصغيرُ يَفْسُدُ إنْ أَكْثَرَ النّظَرَ إليهِ، لا تُكثروا النَّظَرَ إليهِ، الخيرُ الذي فيهِ النَاسُ يُخْبِرونَكُمْ عنهُ كتحذيرٍ مِنْ شَرٍّ جديدٍ، أوْ يتعلَّمُ الشّخْصُ شيئًا جديدًا لينْفَعَ الناسَ في أمورِ دُنياهُمْ. أمّا النظرُ إلى هذا الفَسادِ فَشَرُّهُ أعظمُ، بعضُ الناسِ بسبَبِ ما يروْنَهُ في التلفزيون نُفوسُهُمْ تَفْسُدُ، قلوبُهمْ تَفْسُدُ فيَنْجَرّونَ إلى هَلاكٍ.

الإنسانُ لا يجوزُ لهُ أنْ يقتَرِنَ بِما يُبعِدُهُ عنِ التقْوَى لأنّهُ قدْ يجرُّهُ إلى ما فيهِ فَسادٌ! لا تُصاحبوا إلا إنسانًا يُساعدُ على الدِّيْنِ، ولا تُكثِروا مِنَ النَظَرِ في التلفزيون، التلفزيون يعلِّمُ الفَسادَ اليومَ، يُشوِّشُ الخاطِرَ، الذي يُداوِمُ النظَرَ فيهِ النّفسُ تنْجَرُّ إلى الملاهي وإلى المعاصي، ينجَرُّ فِكْرُهُ عنِ المحافظةِ على الدِّينِ، تسوءُ حالُهُ، ثُمّ قدْ يصلُ إلى حدٍّ بعيدٍ في الفَسادِ، لذلكَ الرسولُ قالَ (لا تصاحِبْ إلا مُؤمِنًا).

أيْ إلا مؤمنًا تقيًّا لا يأخُذُكَ إلى المعاصي لا يأخُذُكَ إلا إلى الخيرِ، بعضُ الناسِ فيما يرَوْنَهُ في التلفزيونِ نُفوسُهُمْ تَفسَدُ، قلوبُهمْ تَفْسَدُ فينجرّونَ إلى هلاكٍ، فإنْ صاحَبَ إنسانًا فَلْيُصاحِبْ إنسانًا لا يُفسِدُ عليهِ دينَهُ، فبدلا من قضاء وقت على جهاز التلفزيون اقضوا أوقاتكم مع رفقاء صالحين تقيين.

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ (إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا) اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى (يا أيها الناس اتقـوا ربكـم إنّ زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد)، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فبجاه محمّد استجبْ لنا دعاءَنا، اللهم بجاه محمّد اغفرِ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّـهُمَّ بجاه محمّد اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ، اللّـهُمَّ بجاه محمّد استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ.

عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *