قولُ الله تعالى (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)
26 يونيو 2019
حديث توسل سيدنا ءادم برسول الله صلى الله عليه وسلم (من المستدرك على الصحيحين للحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى 405هـ)
28 يونيو 2019

التّحذير مِن وَسْوسة الشّيطان

الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على سيّدنا محمّدٍ الصادقِ الوعدِ الأمينِ وعلى إخوانِهِ النبيّينَ والمرسلينَ ورضيَ اللهُ عن أمهاتِ المؤمنينَ وءالِ البيتِ الطاهرينَ وعنِ الخلفاءِ الراشدينَ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ وعن الأئمةِ المهتدينَ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وعن الأولياءِ والصالحينَ.

عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِالله وَلْيَنْتَهِ). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ (مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِالله وَلْيَنْتَهِ) أَيْ عَنْ الِاسْتِرْسَالِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَلْجَأُ إِلَى الله فِي دَفْعِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ إِفْسَادَ دِينِهِ وَعَقْلِهِ بِهَذِهِ الْوَسْوَسَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي دَفْعِهَا بِالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا وَسْوَسَ بِذَلِكَ فَاسْتَعَاذَ الشَّخْصُ بِالله مِنْهُ وَكَفَّ عَنْ مُطَاوَلَتِهِ فِي ذَلِكَ انْدَفَعَ، قَالَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَرَّضَ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ (مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ)، كَلَامٌ مُتَهَافِتٌ يَنْقُضُ آخِرُهُ أَوَّلَهُ لِأَنَّ الْخَالِقَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا، ثُمَّ لَوْ كَانَ السُّؤَالُ مُتَّجِهًا لَاسْتَلْزَمَ التَّسَلْسُلَ وَهُوَ مُحَالٌ، وَقَدْ أَثْبَتَ الْعَقْلُ أَنَّ الْمُحْدَثَاتِ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى مُحْدِثٍ فَلَوْ كَانَ هُوَ مُفْتَقِرًا إِلَى مُحْدِثٍ لَكَانَ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ، انْتَهَى.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِالله)، وَزَادَ فِي أُخْرَى (وَرُسُلِهِ) وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَذْهَبُ عَنْهُ.
وَقَدْ وَرَدَ بِزِيَادَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ (لَا يَزَالُ الشَّيْطَانُ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَقُولَ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ الله، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِالله) وَفِي رِوَايَةٍ (ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ).
ثُمَّ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَادَ بِصَرِيحِ الْإِيمَانِ هُوَ الَّذِي يَعْظُمُ فِي نُفُوسِهِمْ إِنْ تَكَلَّمُوا بِهِ، وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ قَبُولِ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ، فَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَتَعَاظَمْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى أَنْكَرُوهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْوَسْوَسَةَ نَفْسَهَا صَرِيحُ الْإِيمَانِ بَلْ هِيَ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ وَكَيْدِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَقَوْلُهُ (ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ)، أَيْ عِلْمُكُمْ بِقَبِيحِ تِلْكَ الْوَسَاوِسِ وَامْتِنَاعُ قَبُولِكُمْ وَوُجُودُكُمُ النَّفْرَةَ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى خُلُوصِ إِيمَانِكُمْ، فَإِنَّ الْكَافِرَ يُصِرُّ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْمُحَالِ وَلَا يَنْفِرُ عَنْهُ.
وَقَالَ الْمُهَلَّبُ قَوْلُهُ (صَرِيحُ الْإِيمَانِ)، فَلَا بُدَّ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ إِيجَابِ خَالِقٍ لَا خَالِقَ لَهُ لِأَنَّ الْمُتَفَكِّرَ الْعَاقِلَ يَجِدُ لِلْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا خَالِقًا لِأَثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهَا وَالْحَدَثِ الْجَارِي عَلَيْهَا وَالْخَالِقُ بِخِلَافِ هَذِهِ الصِّفَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهَا خَالِقٌ لَا خَالِقَ لَهُ فَهَذَا هُوَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ، لَا الْبَحْثُ الَّذِي هُوَ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْحِيرَةِ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فَإِنْ قَالَ الْمُوَسْوِسُ (فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَخْلُقَ الْخَالِقُ نَفْسَهُ)، قِيلَ لَهُ هَذَا يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لِأَنَّكَ أَثْبَتَّ خَالِقًا وَأَوْجَبْتَ وُجُودَهُ ثُمَّ قُلْتَ: يَخْلُقُ نَفْسَهُ فَأَوْجَبْتَ عَدَمَهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا فَاسِدٌ لِتَنَاقُضِهِ، لِأَنَّ الْفَاعِلَ يَتَقَدَّمُ وُجُودُهُ عَلَى وُجُودِ فِعْلِهِ فَيَسْتَحِيلُ كَوْنُ نَفْسِهِ فِعْلًا لَهُ. وَهَذَا وَاضِحٌ فِي حَلِّ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وَهُوَ يُفْضِي إِلَى صَرِيحِ الْإِيمَانِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا

وَيُقَالُ إِنَّ نَحْوَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَعَتْ فِي زَمَنِ الرَّشِيدِ فِي قِصَّةٍ لَهُ مَعَ صَاحِبِ الْهِنْدِ، وَأَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ هَلْ يَقْدِرُ الْخَالِقُ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُ فَسَأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَبَدَرَ شَابٌّ فَقَالَ هَذَا السُّؤَالُ مُحَالٌ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ مُحْدَثٌ وَالْمُحْدَثُ لَا يَكُونُ مِثْلَ الْقَدِيمِ، فَاسْتَحَالَ أَنْ يُقَالَ يَقْدِرُ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُ أَوْ لَا يَقْدِرُ، كَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ فِي الْقَادِرِ الْعَالِمِ يَقْدِرُ أَنْ يَصِيرَ عَاجِزًا جَاهِلًا. اهـ

واعلموا أن من يقول من خلق الله يكفر ومن طرأ له خاطر فيه هذا السؤال لا يطرحه بل يقول نحوَ ما جواب من يقول من خلق الله.

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *