الْحَمْدُ للَّهِ المنزه عن الأجسام والأجساد المقدس عن الأضداد والأنداد رَافِعِ السَّبْعِ الشِّدَادِ عَالِيَةً بِغَيْرِ عِمَاد الْمُطَّلِعِ عَلَى سِرِّ الْقِلْبِ وَضَمِيرِ الْفُؤَادِ والعَالِم بمَا فِي سُوَيْدَاءِ السِّرِّ وَبَاطِنِ الاعْتِقَادِ قَدَّرَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ مِنَ الغي وَالرَّشَادِ والصلاح والفساد والأذعان والعناد والصلاة والسلام على نبيّنا محمد المرسل رحمة للعباد صاحب الأنوار والأسرار والأمداد وعلى ءاله وصحبه أولي التقى والسداد والعلم والرشاد الداعين الى دروب السلامة وحسن الاعتقاد.

أما بعد، فإن علم الدين ينير الدروب و المسالك و يقي من عطب الجهالات والمهالك، من أخذ بزمامه عاملا به مخلصا فذاك هو السالك و من أحجم عن رياضه وركب مطية مذموم الهوى أخذته الخيل تحت وقع السنابك فشرف التحصيل نور وسلامة والبعد عن مناره ظلمة ومهانة.

قال الصادق الأمين سيّدنا محمّد صلوات ربي و سلامه عليه في كل آن و حين (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين) رواهُ البخاري. فتنافست الهمم الشوامخ في ذاك المرتع الخصيب والربع الواسع الرحيب حتى علت من بحار المعارف أمواجها وتشامخت من أطواد التحصيل شعابها وفجاجها يقتدي بنجومها المترقي عن مهاوي الورطات وينتكس برجومها المتعثر في أذيال الضلالات، فتنافس العلماء على ذياك الباب فجادت المهج بالمصنفات العجب العجاب فسر على طريق القوم يامن رام طريق الصَّوابِ فإن العمر يجري ويمر مرور السحاب وليس من يلتمس الغيث في أقطاره كمن يرقد مخمولا في دياره والله ولي التأييد والتوفيق.

نضع بين أيديكم يا طلاب الحقيقة موقعا يعنى بتراث نجوم الدجى ومصابيح الهدى السادة المالكية الذين هم على مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي رضي اللّه عنه في حلة من دروس ونقول ساطعة بهية وردود مزيلة للشبه متينة قوية، فإنّ عقيدتهم هي المنجية من المهالك حيث قال الشيخ الإمام عبد الواحد بن عاشر المالكي في متنه المشهور: (في عقد الاشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك) بعيدا عن كل غلو مردي او تقصير ملهي.

كذلك مع ذكر ما قاله الأئمة الأعلام كالإمام أبي حنيفة النعمان والإمام محمد بن ادريس الشافعي والإمام أحمد بن حَنْبَل وغيرهم من الأئمة المجتهدين كالإمام البخاري والأوزاعي وابن عيينة والثوري وغيرهم عملا بقول الله تعالى ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [آل عمران 104] و بقول الحبيب صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله عز وجل أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) والله المستعان وعليه التكلان.

ثم هنا ينبغي أن نبين أمرا شديد الأهمية وهو أنه لابد من التلقي أي تلقي العلم الشرعي مشافهة من أفواه الثقات، فلا يكون المرء عالما إذا اعتمد على المطالعة فى الكتب لنفسه بدون معلّم ثقة.

يقول الله تبارك وتعالى: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) معناه الذين يَبدأون بِصغار العِلم ثُمَّ بِكِباره، فلا ينبغي لطالب العلم أن يَبدأ بالمُطَوَّلات قبل المختصرات حتى لا يَفْهَم شيئًا على خلاف وَجهِه و كتب أهل العلم مختصراتٌ ثم متوسطاتٌ ثم مطولاتٌ فيُخشى على المبتدئ إذا بدأ بالمطوَّلات أن يَضِلَّ لِعَدَم فَهْمِه الأمر على ما هو.

ثُمَّ إنّ الأعمال لا تُقْبَل عند الله إلا أنْ تُوافِق الشريعة، وموافقةُ الشَّرع وعدم مُوافَقَته لا يُعرف إلا بالعلم، والعِلمُ لا يُؤخَذُ إلا مِن أفواه العلماء، ولا تكفي مطالعة الكتب بغير تَلَقٍّ مِن أفواه العلماء، بل كثيرٌ من الناس الذين يَضِلُّون سَبَبُه أنهم لا يَتَلَقُّون عِلمَ الدين من أفواه العلماء بل يعتمدون على المطالعة في مُؤلَّفات العلماء، فكيف الذي يطالع في الكتب التي حُشِيَتْ بالأحاديث المكذوبة والأخبار المعلولة والغُلُوّ المذموم والكَذِب على الدين والتجسيم والتشبيه أي تشبيه الله بخلقه والعياذ بالله تعالى.

فقد قال الحافظ الكبير الخطيب البغدادي نقلاً عن بعض المحدِّثين:

(مَن طالَع الكُتُبَ لنفسهِ بدونِ مُعَلِّمٍ يُسمَّى صُحُفِيًّا ولا يُسمى مُحَدِّثَا ومَن قَرأ القُرءآن لِنَفْسه بِدُون مُعَلِّمٍ يُسَمَّى مُصْحَفِيًّا ولا يسمى قارئًا).

و قال الشافعيّ رضي الله عنه:

مَنْ تَفَقّهَ مِن بُطُون الكتُب ضَيّعَ الأحكام.

وكانَ بعضُهم يقول:

مِنْ أَعظَم البَلِيّةِ تَشَيُّخ الصّحَفِيّة ، أي الذينَ تَعلّموا مِن الصُّحُف.

87 مِن تَذكِرة السّامِع والمتكلّم في أدب العَالم والمتعلّم للقَاضِي إبراهيم بن جَماعة المُتوفّى سنة 733 هجرية.

فقد قال أهل العلم:

لا تحسبن بجمع الكتب مثلنا تصير *** فالدجاجة لها ريش لكنها لا تطير

العلم لا يؤخذ من كتاب أو دليل *** انتبه حتى لا تصبح له أسير

خذ العلم من متعلم جليل *** فلن تفيدك الكتب ولو قليل

و إن كان المعنى به كثير *** فالدجاجة لها ريش لكنها لا تطير

إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه.

وكان أبو حيّان الأندلسيّ النَّحْوي كثِيرًا ما ينشد:

يَظُنُّ الغَمْرُ أنَّ الكُتْبَ تَهْـدِي*** أَخـَا فَـهْمٍ لِإدْراكِ العُلُـــومِ

وَمـا يَدْرِي الجَـهُولُ بِأنَّ فِيـها *** غَوامِضَ حَيَّرَتْ عَقْلَ الفَهِيمِ

إِذا رُمْتَ العُلُومَ بِغَيْرِ شَيْــخٍ *** ضَلَلْتَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ

وتَلْتَبِسُ الأمورُ عَلَيْكَ حَتَّـى *** تَصِيرَ أَضَلَّ مِن تُومَا الحَــكِيمِ

* الغُمْر: الجاهل الذي لم يُجَرِّب الأُمور.

* رُمْتَ: طَلَبْتَ.

وتوما هذا كان طبيبا، ولكن تَطَــبُّبُه مِن الكُتُب، وقد وَقَع التَّصحيف في بَعض الكتُب التي عِندَه، فكان يَقْرَأ: (الحيَّةُ السَّوداء شِفاءٌ مِن كُلّ داءٍ). تَصَحَّفَتْ كَلِمَة (حَبّة) إلى (حَيّة) فمَاتَ بِسَبَب تَطَبـُّبِه خَلْقٌ كَثِير.

فلا تكون المعرفة بمطالعة الكتب بل باختيار عارف ثقة أخذ العلم عَمَّن قبله بالسند المتصل فنـتلقى منه العلم الشرعي الصافي الخالي من الأفكار الدسيسة والآراء المنحرفة.

وسبحان الله والحمد لله، والله أعلم.


بعض المصادر:

– الدُرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني 2/63.

– لسان العرب لابن منظور: باب غ م ر.