الحمد لله رب العالـمين له النعمة و له الفضل و له الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والـملائكة الـمقربين على سيدنا محمد أشرف الـمرسلين وعلى جميع إخوانه من النبيين والـمرسلين.
أما بعد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِـمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَـمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ التِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ التِي يَـمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) هذا الـحديث أخرجه الإمام البخاري رضي الله عنه.

هذا من الأحاديث القدسية، قوله (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا) المراد بولي الله العالم بالله المواظب على طاعته المخلص في عبادته، فالولي هو الذي أدى الواجبات واجتنب الـمحرمات وأكثر من النوافل، فالطبقة العليا من الـمؤمنين بعد الأنبياء بالنسبة إلى البشر والجن هم الأولياء ثم سائر الـمؤمنين أما الـملائكة فكلهم أولياء اللهِ وإن كانوا على درجات فيما بينهم.
قوله (فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ) أي أعلمته، والإيذان الإعلام، في هذا تهديد شديد، لأن من حاربه الله أهلكه.
قوله (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِـمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ) ويدخل تحت هذا اللفظ جميع فرائض العين والكفاية، ويستفاد منه أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله.
وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثال الأمر واحترام الآمر وتعظيمه بالانقياد إليه وإظهار عظمة الربوبية وذل العبودية فكان التقرب بذلك أعظم العمل، والذي يؤدي الفرائض قد يفعله خوفا من العقوبة ومؤدي النفل لا يفعله إلا إيثارا للخدمة فيجازي بالمحبة التي هي غاية مطلوب من يتقرب بخدمته.
قوله (وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) قُربُ العَبدِ مِن رَبِّهِ يَقَعَ أولا بإيـمانِهِ ثم بإحسانِهِ، وقُربُ الربِّ مِن عبدِهِ ما يخصُّهُ به في الدنيا من عرفانه، وفي الآخرَةِ من رضوانِهِ، وفيما بين ذلك من وجوهُ لطفِهِ وامتِنانِهِ.

قوله (بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) ظاهره أن محبة الله تعالى للعبد تقع بـملازمة العبد التقرب بالنوافل، معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض ودام على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى.

الله تعالى ينتقم مـمن يشاء مـمن يؤذي أولياءه وينتهك حرمهم وهذا الذي يؤذي الأولياء لا يأمن أن يصيبه الله تعالى قبل موته بـمصيبة تقصم ظهره جزاءً له على فعله، ثم يعلم من

هذا الـحديث الصحيح أن أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلـم هم الـمهاجرون الأولون لـم يكن بينهم حقد وعداوة بل كان كل واحد منهم يعرف الفضل لأخيه الذي يـجمعه به صحبته رسول الله صلى الله عليه وسلـم، وكان أحد فقهاء اليمن سليط اللسان على بعض الفقهاء الـمعتبرين من الأولياء الكبار وهذاالفقيه الولي الإمام هو الفقيه الـمشهور مـحي الدين النووي وكان هذا اليمني يؤذي النووي فلـما مات اليمني واسـمه كمال الدين اندلع لسانه بشكل بشع وجاء شىء يشبه الـهرة فاقتطع لسانه وذهب به واختفى هذا بعض ما جازاه الله تعالى به قبل أن يغيب إلى بطن الأرض.

فالـحذر الـحذر من القدح والطعن في واحد من السابقين الأولين من الـمهاجرين أو الأنصار، والأنصار هم أهل الـمدينة الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسماهم الله تعالى بـهذا الاسم الشريف الأنصار و هو اسم لـم يكن لهم قبل الإسلام إنـما الإسلام شرفهم به كذلك ليحذر الـمؤمن الـمشفق على نفسه من التعرض لـمعاداة أي ولي من أولياء الله.

وسعد ابن أبي وقاص هو أفضل الـمؤمنين بعد الخلفاءالراشدين من الطبقة العليا أما أبو هريرة فلا يعد من السابقين الأولين لكنه يعد من علماء الصحابة ومن الذين كان لهم حظ وافر من حب الله ورسوله وقد أدرك مع رسول الله صلى الله عليه وسلـم صحبة ثلاث سنوات لازمه فيها فأخذ من العلم الكثير الكثير لأنه كان متفرغا لـم يكن متزوجا ولـم يكن يشغله أهل ولا مال فلم يكن يـمتهن مهنة ولا كان له ابن يشغله ولا أهل تقطعه خدمتهم عن ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع في هذه السنوات من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لـم يجمعه كثير من الذين لازموا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من عشر سنوات والله تعالى هو ذو الفضل والـمن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض دعواته (لا مانع لـما أعطيت ولا معطي لـما منعت).

فمن علامات الـمقت أن يجعل الإنسان همه الطعن بهؤلاء الأولياء الأبرار الأطهار.

قال الله في الحديث القدسي (فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَـمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ التِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ التِي يَـمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) وهذا على معنى إعطاء الكرامة لهذا الذي صار من أولياء الله وأحباءه.

وأكبر الأولياء في البشر وأعلاهم درجة هم أولياء الصحابة وأولياء أمة مـحمد صلى الله عليه وسلـم هم الذين عناهم الله بقوله في سورة براءة وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الـمهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ والذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَـهُمْ جَنَّاتٍ تَـجْرِي تَـحْتَهَا الأَنْـهارُ خَالِدِينَ فِيهَاأَبَداً ذلك الفَوْزُ العَظِيمُ وهؤلاء الأولياء لا ينقطعون في أمة مـحمد صلى الله عليه و سلـم إلى يوم القيامة.

ثـم إن من كرامات الأولياء أي مـما يكرمهم الله به في الدنيا إجابة الدعوة وتكثير القليل من الطعام و عدم التأثر بالسم القاتل وعدم الإحتراق بالنار، أما إجابة الدعوة فهي كثيرة كان سعد ابن أبي وقاص وهو الـمسمى سعد ابن مالك الـمكي القرشي أحد العشرة الـمبشرين بالـجنة كان مـجاب الدعوة إن دعا لشخص أصابته تلك الدعوة وإن دعا على شخص ظالـم أصابته تلك الدعوة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلـم دعا لسعد ابن أبي وقاص قال (اللهم أجب دعوته) فكانت دعوته مستجابة.

روى عن قيسِ بنِ أبي حازم وكان من أكابر التابعين الذين اجتمعوا بالصحابة أنه قال: كنت في الـمدينة أطوف في السوق حتى بلغت أحجار الزيت فلقيت أناسا مـجتمعين وإذا برجل راكبا دابة بينهم فجاء سعد ابن أبي وقاص فقال ما هذا؟

فقالوا هذا رجل يشتم علي ابن أبي طالب، فتقدم إليه فأفرجوا له فقال سعدٌ: يا هذا علام تشتم علي ابن أبي طالب، ألـم تعلم أنه أول من أسلم من الفتيان، ألـم تعلم أنه أول من صلى مع رسول الله، وذكر حتى قال ألـم تعلـم أنه صاحب راية رسول الله في غزواته، فلم ينه، ثـم استقبل القبلة ورفع يديه فقال: اللهم إن كان هذا يشتم وليا من أولياءك فلا تفرق هذا الـجمع حتى تريهم قدرتك.
فساخت به دابته فوقع على هامته على تلك الأحجار فانفلق دماغه فمات.
ثـم بعد ذلك ذكر له أن رجلاً من الـحكام الجائرين أي الظالـمين قال في بيت مال الـمسلـمين (إن هذه أموالنا نفعل بـها ما نشاء ونـمنع عنها من نشاء) فقام سعد ليدعو عليه فنَزل ذلك الرجل خوفا من أن يدعو عليه فتصيبه دعوته فيهلك فقال (إنـما هي أموال الله)، تراجع.
وكان هو أحد ولاة بني أمية الـجائرين الظالـمين الذين يستبدون ببيت مال الـمسلـمين فيعطون من يواليهم ويـمنعون عن كثير مـمن يستحقون.
وقد قال الحافظ العبدري: حبّ الوليّ يقرّب من الله.
نسأل الله حسن الحال وحسن المآل والسلامة وحسن الفهم وأن ينفعنا الله بعباده الصَّالِحِين والحمد لله أوّلا وءاخر.