خطورة التسرع في التكفير (منهج التكفير عند الخوارج)
26 أبريل 2020
خطورة التسرع في التكفير وتبرئة الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه
26 أبريل 2020

خطورة التسرع في التكفير (منهج التكفير عند أدعياء السلفية)

خطورة التسرع في التكفير (منهج التكفير عند أدعياء السلفية)

قال الله تعالى في القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)) سورة الأحزاب آية 70 و71.

لقد أرسل الله عز وجل نبيه الكريم محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فجاء هاديًا ومبشرًا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرا، فهدى الله به الأمة، وكشف به الغُمَّة، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فجزاه الله خير ما جزى نبيًا عن أمته، وقد جعل الله تعالى في اتّباعه صلى الله عليه وسلم الفوز والفلاح، وجعل شرعه الشريف سهلا سمحًا، بعيدًا عن التعقيد والغلو والتطرف، فجاء صلى الله عليه وسلم بعقيدة قويمة، وأحكام راسخة التزم بها أصحابه الكرام ومن جاء بعدهم من السلف الصالح فدانت لهم الأرض، وحملوا للدنيا مشاعل النور التي تضيء العقول والقلوب، وتبدد غياهب الجهل وظلام الظلم، ولكن أبى بعض الناس قديمًا وحديثًا أن يفتحوا قلوبهم للحق، فقادهم الشيطان إلى مزالق الخسران المبين، فشذوا وضلّوا وفسدوا وأفسدوا، وكان من أخطر ما ابتلي به هؤلاء الرَعاع تكفيرهم المسلمين بغير حق حيث زيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، فظنوا الخطأ صوابا، والباطل حقا، وهكذا يفعل الجهل بصاحبه ولقد قيل:

يصيب وما يدري ويُخطي وما درى *** وكيف يكون الجهل إلا كذلكا

منهج التكفير عند أدعياء السلفية:
ولا يسعنا هنا إلا أن نُحذر من خطورة التسرع في التكفير الذي انتهجته بعض الجماعات من أدعياء السلفية أعني الوهابية وغيرهم، حيث راحوا يُكفّرون المسلمين إذا توسلوا بالأنبياء والصالحين، ويعتقدون أن التوسل بالصالحين مُخرج من الدين مطلقًا، سواءٌ توسل بحي أو ميت، كما صرّح بذلك المئات منهم في مؤلفاتهم ، بل نسبوا المسلمين إلى عبادة غير الله تعالى، فقال أحد دعاتهم واسمه عبد الرحمن بن حسن، وهو حفيد محمد بن عبد الوهاب، في كتابه المسمى كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين ما نصه (وكما جرى لأهل مصر وغيرهم فان أعظم آلهتهم أحمد البدوي) وزعم أن أهل العراق يعبدون الشيخ عبد القادر الجيلاني فقال في الكتاب نفسه (وكان أهل العراق ومن حولهم كأهل عمان يعتقدون في عبد القادر الجيلاني كما يعتقد أهل مصر في البدوي)، وكذلك زعم في الكتاب المذكور أن أهل الشام يعبدون ابن عربي فقال (وأعظم من هذا عبادة أهل الشام لابن عربي)، بل وتكلم بتكفير أهل نجد والحجاز قبل انطلاق الدعوة الوهابية فقال ما نصه في الكتاب المذكور (وجرى في نجد قبل هذه الدعوة وفي الحجاز واليمن وغيرهما من عبادة الطواغيت والأشجار والأحجار والقبور ما عمت به البلوى).
وإنا نعوذ بالله من هذا الضلال، ونبرأُ إلى ربنا منه ونعجب أشد العجب كيف ساغ لهؤلاء تكفير المسلمين واتهامهم بالشرك لمجرد توسلهم بأولياء الله الصالحين، وقد قامت الأدلة القاطعة على جواز التوسل، وعُلم هذا من فعل الصحابة والتابعين وتابعيهم من غير نكير، وأكثر من ذلك فقد حكم هؤلاء بالكفر على من خالفهم ولم يعتقد عقيدتهم، ولم يقل بمقالتهم، وقد نسبوا لله تعالى الجهة والحدَّ، وحكموا والعياذ بالله بكفر من نزَّه الله عن مشابهة المخلوقين، كما في كتاب رد الدارمي على بشر المريسي مع أن التنزيه هو عين الحق وبه جاء القرآن الكريم صراحةً كما يدل عليه قوله تعالى (ليس كمثله شىء) سورة الشورى، وقال أهل العلم (هذه أصرح آية في تنزيه الله عن مماثلة المخلوقين) ومن ذلك ننزيه الله عن الحاجة للمكان من سماء وأرض وعرش وغير ذلك.

وأمعن هؤلاء في الوقاحة فزعموا أن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلّم بدعةٌ فيها تحقير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما صرَّح بذلك السهسواني في كتابه المسمى صيانة الإنسان في معرض كلامه عن الاحتفال بالمولد الشريف، بل قال ما نصه (فلولا احتمال التأويل، والخطأ الاجتهادي، لحُكم على مرتكبها بالكفر) أي لحكموا على مرتكب بدعة المولد بزعمهم بالكفر، ويكفّرون مع هذا من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم جهرًا بعد الأذان، بل قال أحد دعاتهم ذات يوم في أحد مساجد دمشق في حكم من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان (هذا حرام، هذا كالذي ينكح أمه)، وجاء في كتاب فتنة الوهابية للشيخ أحمد بن زيني دحلان أن محمد بن عبد الوهاب أمر بقتل مؤذن ضرير لأنه صلى على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان. وهم يمنعون من لبس الحروز التي فيها قرآن وذكرٌ لله تعالى، ويقطعونها من أعناق حاملها قائلين (هذا شرك) إلى غير ذلك من مفاسد وأباطيل، يطول ذكرها، ويدعي أصحابها للأسف أنهم سلفية، وأنهم على طريقة السلف، والسلف منهم ومن أضاليلهم براء، وهل كان السلف يكفّرون المسلمين كما يطلق هؤلاء أبواقهم بالتكفير جُزافا، حاشا!! وأي معنى لتكفير المسلمين بغير حق، سوى نشر الفوضى والتشرذم والفساد في المجتمع المسلم، الذي ما برح يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صباح مساء، وأعجب زيادةً على تعجبك مما مر ما وصل إليه حال بعضهم من جماعة حزب الإخوان الذين سبق لزعيمهم سيد قطب أن كفّر البشرية، كما بيّنا ذلك في مقالات لنا سابقة، فزعموا أن قول (أستغفر الله) ما هو إلا كالمكاء والتصدية، وهما من أفعال كفار الجاهلية التي كانوا يمارسونها عند عبادة أصنامهم، وهذا في غاية الوقاحة والضلالة والخزي، فكيف جعل هذا الكاتبُ واسمه صالح حسن صالح هذه الكلمةَ الشريفةَ الكريمةَ كفعل كفار الجاهلية، كما هو مصرّح به في مجلتهم المسماة الأمان العدد 70.

خطورة التسرع في التكفير:
ولو سألنا ما الذي حمل هؤلاء الغوغاء على مثل هذه المقالات الفارغة الفاسدة، فشحنوا بها بطون كتبهم وإصداراتهم، لكان الجواب بكل صراحة وبساطة إن الذي حملهم على هذا الجهل في علم الدين، بل قد جَهِلوا وجَهِلوا أنهم يجهلون، وظنوا ما هم عليه من الجهل علمًا، وحسبوا أن لهم حق الاجتهاد واستنباط الأحكام من الكتاب والسنة، فخاضوا فيما لا حظ لهم فيه بغير علم ولا هدى ولا دليل ولا بينة، فكانوا كحاطب ليل لا يفرّق بين عيدان الحطب والأفعى، ثم نشروا هذه السموم بين الناس ولهم في القيامة موقف يحاسبهم فيه ديّان يوم الدين، ألا يعلم هؤلاء معنى الحكم بالتكفير، وما الذي ينبني على ذلك من أحكام؟ فإن الحكم بالكفر على شخص يعني الحكم بانقطاع التوارث بين الأب وولده، وبطلان النكاح القائم بينه وبين زوجته، وغير ذلك من الأحكام.
إن التسرع في التكفير خطر عظيم، وبالتالي ليس لأحد أن يبني التكفير على مجرد الرأي، فيُكفّرَ من هو في الحقيقة مؤمن خالص، كما كفّرت الخوارج الإمام عليًا رضي الله عنه، فهل يعرف هؤلاء ماذا يقولون، وأين يذهبون، فإن علم الدين لا يُنال بالتمني ولا بالتشهي، ومتى سيعي هؤلاء أن كثيرًا مما عانته الأمة وما تعانيه اليوم كان بسبب تسرعهم في التكفير بغير حق، فأدى ذلك إلى نشوء جماعات تحكم على من سواها بالكفر، وترى السيف على من خالفها، ولا يخفى ما جرّه ذلك على الأوطان من بلاء عظيم أغرق الأبرياء في حمامات الدم.
ومن هنا فإننا نقول ومن باب النصيحة لهؤلاء الناس وهذه الجماعات اتقوا الله في أنفسكم، وفي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، واخرجوا مما أنتم فيه، وأعيدوا النظر مرة بعد مرة في كثير مما أنتم عليه، فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، وربنا عز وجل يقول (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ 125) سورة النحل.

والحمد لله أولا وآخرا.

1 Comment

  1. يقول AdminMK:

    أنت لا تفهم ومتعصب لمشايخ الزندقة والضلال الوهابية قرن الشيطان.
    كتبت لك نقل السبكي أن ابن تيمية خرق الاجماع في نحو ستين مسألة منها قوله بفناء النار وقوله بأزلية العالم وهذه المسائل العقيدية لا اجتهاد فيها لأنه لا اجتهاد مع النص ولذلك كفره القضاة من المذاهب الأربعة وكفره الامام السبكي وغيره وقد حبس بفتوى موقعة منهم سنة 726 هـ أنظر عيون التواريخ للكتبي، ونجم المهتدي لابن المعلّم القرشي.
    ا- القاضي المفسر بدر الدين محمّد بن إبراهيم بن جماعة الشافعي المتوفى سنة 733هـ .
    2- القاضي محمّد بن الحريري الأنصاري الحنفي.
    3- القاضي محمّد بن أبي بكر المالكي.
    4- القاضي أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي.

    وورد في 9/292 من الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع للسخاوي اثناء ترجمته للعالم الحنفي عليّ بن محمد الشيخ علاء الدين البخاري المُتوفّى سنة 841 هجرية ما نصّه (كان يُسأل عن مقالات التقي ابن تيمية لتي انفرد بها فيُجيب بما يظهر له من الخطأ فيها وينفر عنه قلبه ،إلى أن استحكم أمره عنده فصرّح بتبديعه ثمّ تكفيره ثمّ صار يُصرّح في مجلسه بأنّ مَن أطلق على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام فهو بهذا الإطلاق كافر واشتهر ذلك) والمقصود أنه اذا علم بحاله وأقواله التي خرق فيها الاجماع كالقول بفناء والنار وبعد هذا سماه شيخ الاسلام فهذا كفر.

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *