معنى قول بعض العلماءِ (لازمُ المذهبِ مذهبٌ) وقول بعضهم (لازمُ المذهبِ ليسَ مذهبًا) وكيف يجمع بينهما وكيف خلط بعض الجهال بينهم (5)
6 يناير 2021
تقديمُ تعلُّمِ العلمِ على العملِ
21 يناير 2021

اللهُ تعالى لا يُوصَفُ بالحَدِّ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ وعلى ءالهِ وأصحابهِ الطيبينَ الطاهرينَ أما بعدُ، فإنَّ بعضَ الناسِ يعتبرونَ منَ الغريبِ تكفيرَ مَنْ يعتقدُ أنَّ اللهَ لهُ أعضاءٌ أو حَدٌّ وهذا ليسَ شيئًا غريبًا على عُلماءِ الإسلامِ بلِ السلفُ والخلفُ على هذا أنَّ الذي يُشَبِّهُ اللهَ تعالى بإثباتِ أعضاءٍ لهُ أو صفةِ جُلوسٍ أو التحيّزِ في جهةِ الفوقِ أو في غيرِها منَ الجهاتِ لا يكونُ مسلمًا لأنَّ قولَهُ ضِدُّ قولِ اللهِ تعالى ﴿ليسَ كمِثْلِهِ شىءٌ﴾ (1).

اللهُ تعالى أخبرَنا في هذهِ الآيةِ أنهُ منزهٌ عن كلِّ صفةٍ من صفاتِ الخلقِ التحيزِ في المكانِ أو في جهةٍ منَ الجهاتِ أو في جميعِ الأماكنِ أو في جميعِ الجهاتِ أو في مكانٍ واحدٍ أو في جميعِ الأمكنةِ، لو كانَ في جهةٍ خاصّةٍ كالعرشِ أو جـميعِ الجهاتِ أو في مكانٍ واحدٍ أو في جميعِ الأماكنِ أو كانَ مُتحركًا مرةً وساكنًا مرةً كالإنسانِ والبهائمِ والـملائكةِ والجِنِّ لكانَ لهُ أمثالٌ لا تُحصى، إنْ قالَ قائلٌ هذا غيرُ معقولٍ، يُقالُ لهُ في المخلوقِ شىء لا يُمكنُ تَصَوُّرُهُ معَ أنهُ شئٌ وُجِدَ ويجبُ الإيمانُ بهِ قال الله تعالى ﴿وجعلَ الظلماتِ والنورَ﴾ (2) معنى قولِهِ تعالى ﴿وجعلَ الظلماتِ والنورَ﴾ أنهُ لـم يكُن في الأزلِ نورٌ ولا ظلماتٌ بلْ خَلَقَ اللهُ بعضَ خلْقِهِ ثمَّ خلقَ الظلماتِ والنورَ.

عقلُ الإنسانِ لا يستطيعُ أن يتصوّرَ كيفَ يكونُ وقتٌ ليسَ فيهِ نورٌ ولا ظلامٌ إنَّما يتصوّرُ عقلُ الإنسانِ وجودَ النورِ وحدَهُ أوِ انتفاءَهُ معَ وجودِ الظلامِ ويَتصوَّرُ وجودَ الظلامِ وحدَهُ أوِ انتِفاءَهُ معَ وجودِ النورِ، وجودُهُ في وقتٍ وانتفاؤُهُ في وقتٍ هذا يتَصَوَّرُهُ أما أنْ يتصورَ انتِفاءَ النورِ والظلامِ في ءانٍ فلا يستطيعُ عقلُ الإنسانِ أن يتصورهُ ومعَ ذلكَ يجبُ علينا الإيمانُ بهِ فنقولُ لهؤلاءِ الذينَ يقولونَ كيفَ يَصِحُّ وجودُ اللهِ بلا حركةٍ ولا سُكونٍ ولا جهةِ نقولُ لهم كما صحَّ وجودُ وقتٍ ليسَ فيهِ نورٌ ولا ظلامٌ ونحنُ عاجِزونَ عنْ تصوُّرِهِ يصحُّ وجودُ اللهِ بلا مكانٍ ولا جهةٍ ولا حركةٍ ولا سكونٍ لأنَّ الدليلَ العقليَّ والدليلَ النقليَّ يَدُلانِ على ذلكَ وإنْ كنَّا لا نستطيعُ تصوُّرَهُ.

الوهابيةُ يُهَوِّلونَ على بعضِ الناسِ فيقولونَ كيفَ يصحُّ وجودُ اللهِ بلا مكانٍ ولا جهةٍ ولا يكونُ مُتحرِّكًا مرةً ولا ساكنًا مرةً فإنْ لـم يكُنِ الشخصُ الذي يُخاطِبونَهُ بهذا الكلامِ مُتَمَكِّنًا في العقيدةِ يَنْقَلِبُ إليهم فيقولُ هذا لا يصحُّ بلْ لهُ مكانٌ وهذا المكانُ هوَ العرشُ فيكونُ والعياذُ بالله قدْ كذَّبَ هذهِ الآية ﴿ليسَ كمِثْلِهِ شىء﴾ وخالفَ السلفَ والخلفَ، السلفُ نَفَوْا عنِ اللهِ الحدَّ، الشىءُ الذي لا حدَّ لهُ معناهُ ليسَ مُتحَيِّزًا في مكانٍ، الشىءُ الذي لا كميةَ لهُ لا يصحُّ أن يتحيزَ في المكانِ، الكميةُ القليلةُ والكميةُ الكبيرةُ وما بينَهُما من صفاتِ الخلْقِ، الذَّرَّةُ وحَبّةُ الخردَلِ اللهُ تعالى خلَقَهُما على هذهِ الكميةِ و كذلكَ العرشُ اللهُ تعالى خلَقَهُ على تلكَ الكمّيّةِ، على ذلكَ الحدِّ الذي هوَ عليهِ، والإنسانُ اللهُ خلقهُ على هذا الـحدِّ أربعةِ أذرعٍ طُولاً وذراعٍ عرضًا، العرشُ اللهُ تعالى أوجَدَهُ على ذلكَ الحدِّ ليسَ العرشُ أوجدَ نفسَهُ على ذلكَ الحدِّ فالذي خلقَ هذهِ الأشياءَ على تلكَ الحدودِ لا يكونُ لهُ حدٌّ ولا كميةٌ لأنهُ لو كانَ لهُ حدٌّ وكميةٌ لاحتاجَ لِمَنْ جعلهُ على ذلكَ الحدِّ وتلكَ الكميةِ.

نحنُ البشرُ جائزٌ عقلاً أن نكونَ على حدٍّ ءاخرَ كالذرةِ لكنْ نحنُ وُجِدْنا على هذا الحدِّ ليسَ نحنُ أوجَدْنا أَنفُسَنا على ذلكَ الحدِّ بلِ اللهُ جعلَنَا على هذا الحدِّ ولو كانَ اللهُ تعالى لهُ حدٌّ لكانَ مُحتاجًا لِمَنْ جعلهُ على هذا الحدِّ، ثمَّ مِنْ شأنِ العالَمِ اختِلافُ الأحوالِ عليهِ، هذهِ الأرضُ حالُها في الصيفِ غيرُ حالِها في الشتاءِ، والإنسانُ وُجِدَ طِفلاً صغيرًا لا يـمشي ولا يتكلمُ ثمَّ وصلَ إلى حدِّ أنّهُ صارَ يـمشي ويتكلّمُ ويُفكّرُ فالعقلُ الصّحيحُ يقضي بأنَّ كلَّ شئٍ يتحوَّلُ من حالٍ إلى حالٍ لهُ مُـحَوِّلٌ يُـحَوِّلُهُ من حالٍ إلى حالٍ والذي يُـحَوِّلُهُ لا يكونُ مُتَحَوِّلاً من حالٍ إلى حالٍ.

علماءُ أهلِ السّنةِ يقولونَ اللهُ تعالى ليسَ بمَحدودٍ، قالَ سيّدنا عليٌّ ذلكَ وقالَ حفيدُهُ عليٌّ زينُ العابدينَ الذي كانَ يُقالُ لهُ السَّجَّادُ لكثرةِ صلاتِهِ، رُوِيَ أنهُ كانَ يُصلّي في اليومِ والليلةِ ألفَ ركعةٍ وكانَ بـهيَّ المنظرِ مَهيبًا مِنَ التقوى ليسَ مِنْ أُبَّـهَةِ الـمُلْكِ هوَ أيضًا قالَ عنِ اللهِ ليسَ بـمحدودٍ.

ليسَ معنى ذلكَ أنَّ اللهَ لهُ مِساحةٌ لا ينتهي إليها نظَرُ الناسِ بلِ المعنى أنهُ لا يـجوزُ عليهِ الكميةُ مهما صَغُرَتْ ومهما كَبُرَتْ لا يجوزُ عليه، ليسَ المعنى أنَّ لهُ حدًّا لا ينتهي إليهِ فِكْرُ الإنسانِ بلِ المعنى نفيُ الكميّةِ عنهُ بالمرّةِ، وقولُ (اللهُ أكبرُ) ليسَ معناهُ أنَّ حجمَهُ كبيرٌ أنهُ أوسعُ مِنْ كلِّ شىء إنَّـما معناهُ هوَ أقدَرُ مِنْ كلِّ قادرٍ وأعلَمُ من كلِّ عالمٍ هذا معنى اللهُ أكبرُ، ليسَ معناهُ أنهُ واسِعُ الحجمِ، الحجمُ لا يكونُ إلا للحادثِ أي إلّا لشىء لـم يكُنْ موجودًا ثمَّ صارَ موجودًا، هذا يجوزُ عليهِ الحدُّ أمَّا الموجودُ الذي ليسَ لوجودِهِ ابتداءٌ لـم يسبِقْهُ عدَمٌ لا يجوزُ أن يكونَ لهُ حدٌّ لأنهُ لو كانَ لهُ حدٌّ لكانَ حادِثًا أحدَثَهُ غيرُهُ أي خلقَهُ غيرُهُ وهذا مُـحالٌ باطِلٌ.

واللهُ تعالى أعلم.

1- سورة الشورى الآية 11.
2- سورة الأنعام الآية 1.

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *