
ابن تومرت بريءٌ كلَّ البراءة مِن قتل القاضي عياض
26 نوفمبر 2024
باب الرجل ينسى الصلاة فيذكرها وقد حضرت صلاة أخرى
6 ديسمبر 2025تاريخ المذهب الأشعري في المغرب وإفريقيا
لقد أسهم علماء المغرب إسهاما كبيـرا في نشر المذهب الأشعري والتعريف به قبل أن يصبح مذهبا رسميا مع دولة الموحديـن.
فقد عرف المغاربة المذهب الأشعري منذ القرن الرابع الهجري، حيث عاش الإمام الأشعري مع الفقيه أبي ميمونة دراس بن إسماعيل الفاسي دفيـن فاس (تـ 357 هـ)، كما توسعوا في مقالات الأشاعرة مع الإمام أبي عمران الفاسي (تـ 430 هـ) الذي أخذ عن الباقلاني ببغداد وغيـره، والذي عمل على تـرسيخ الدرس العقدي بالقيـروان والمغرب.
ويـرجع الفضل في ذلك إلى مواقف علماء المغرب الإيجابية من المذهب الأشعري منذ زمن المرابطيـن كما يظهر جليا من فتوى ابن رشد الجد الذي أنصف المذهب الأشعري وجعله يحظى بالقبول في دوائر دولة المرابطيـن.
وقد ظهر نص عقدي أشعري مغربي يـنتمي مؤلفه إلى زمن المرابطيـن ويتعلق الأمر بعقيدة بأبي بكر المرادي الحضرمي (تـ 489 هـ) (1) الذي قرر أمور العقيدة على الطريقة الأشعرية السنية.
ولا يمكن أن نغمض عن جهود أبي بكر بن العربي المعافري (تـ 543 هـ) الذي يـرجع إليه الفضل في إدخال بعض مؤلفات العقيدة الأشعرية إلى المغرب كالعقيدة النظامية للإمام الجويـني، وقد ظهرت في الآونة الأخيـرة بعض مؤلفات أبي بكر بن العربي في العقيدة، ككتاب المتوسط في الاعتقاد، والأمد الأقصى في شرح أسماء الله الحسنى، وكتاب الأفعال وهي مؤلفات أسهمت في تـرسيخ الدرس العقدي الأشعري بالمغرب.
أما تـرسم المذهب الأشعري بالمغرب فيـرجع إلى محمد بن عبد الله بن تومرت (تـ 524 هـ) (2) فقد ألف ابن تومرت عقيدته المرشدة التي احتفل بها الشراح وأضفوا عليها طابعا أشعريا.
ويقول الوزيـر أبو محمد ابن المالقي وهو من صدور دولة الموحديـن ومن أعيانهم في قصيدته أنجم السياسة:
للأشعرية فيا مذهب عجب *** ومن سعادتنا أنا اعتقدناه
ومن الأعلام الذيـن أسهموا بحظ وافر في نشر المذهب الأشعري بالمغرب الإمام المتكلم النظار أبو عثمان السلاجلي (تـ 574 هـ) الذي اشتهر بعقيدته البـرهانية، فقد درس تـراث الإمام الجويـني ولا سيما كتابه الإرشاد وتأثر به أيما تأثر.فقد رحل السلالجي إلى مراكش باحثا عمن يشرح له كتاب الإرشاد، حيث لقي الشيح أبا الحسن اللخمي المعروف بابن الإشبيلي فلازمه وأخذ عنه كتاب الإرشاد.
ولقد عرف المغاربة والمشارقة قدر الإمام الأشعري ومكانته العلمية وأمانته في الـحفاظ على عقائد أهل السنة، فأقبلوا على دراسة عقيدته وتدريسها، وتفننوا في شرحها ونظمها، فكانت ولا زالت هذه العقيدة السنية حاضرة بقوة في عقل الأمة ووجدانها وضميـرها.
وفي هذا الصدد يقول القاضي عياض وهو أحد أعلام المدرسة الأشعرية الأوفياء لمنهجها الوسطي في تـرجمته للإمام الأشعري (….فكذلك أبو الحسن، فأهل المشرق والمغرب بحججه يحتجون، وعلى منهاجه يذهبون، وقد أثنى عليه غيـر واحد منهم، وأثنوا على مذهبه وطريقته…..وصنف لأهل السنة التصانيف، وأقام الحجج على إثبات السنة، وما نفاه أهل البدع من صفات الله تعالى، ورؤيته، وقدم كلامه، وقدرته، وأمور السمع الواردة من الصراط والميزان والشفاعة والـحوض وفتنة القبـر التي نفت المعتـزلة، وغيـر ذلك من مذاهب أهل السنة والحديث، فأقام الحجج الواضحة عليها من الكتاب والسنة والدلائل الواضحة ودفع شبه المبتدعة…).
وقد انتشر المذهب الأشعري في مختلف أقطار العالم الإسلامي، فانتشر في العراق في نحو سنة (380هـ) ومنه إلى الشام، وفي مصر على يد السلطان الناصر صلاح الديـن يوسف بن أيوب، وفي المغرب انتشر المذهب الأشعري على يد عبد الله محمد بن تومرت وفي هذا الصدد يقول المقريزي:
(فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري في العراق في نحو سنة ثمانيـن وثلاثمائة، وانتقل منه إلى الشام، فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الديـن يوسف بن أيوب ديار مصر كان هو وقاضيه صدر الديـن عبد الملك بن عيسى بن درباس الـماراني على هذا الـمذهب، قد نشأ عليه منذ كان في خدمة السلطان الملك العادل نور الديـن محمد بن زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الديـن في صباه عقيدة ألفها له قطب الديـن أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وصار يحفظها صغار أولاده فلذلك عقدوا الخناصر وشدوا البنان على مذهب الأشعري وحملوا في أيام دولتهم كافة الناس على التـزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع الـملوك من بني أيوب ثم في أيام مواليهم من الـملوك من الأتـراك، واتفق مع ذلك توجه أبي عبد الله محمد بن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق وأخذ عن أبي حامد الغزالي مذهب الأشعري، فلما عاد إلى بلاد المغرب وقام في المصامدة يفقههم ويعلمهم وضع لهم عقيدة تلقفها عنه عامتهم ثم مات فخلفه بعد موته عبد المومن بن علي القيسي وتلقب بأميـر المؤمنيـن وغلب على ممالك المغرب هو وأولاده من بعده مدة سنيـن، وتسموا بالموحديـن فكان هذا هو السبب في انتشار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام).
(1) في القرن الخامس الهجري ولد القاضي المُرادي في القيروان وتلقى تعليمه الأولي فيها ثم دخل بلاد الأندلس وانتقل في زمن دولة المرابطين إلى آزوكي في صحراء موريتانيا حيث تولى القضاء وعُرف بقاضي الصحراء كان رجلا نبيها عالما وإماما في أصول الدين وكانت وفاته في هذه المدينة سنة 489 ھ، وقبره فيها يزار إلى الآن.
(2) محمد بن عبد الله بن وجليد بن يامصال المشهور بالمهدي بن تومرت بريءٌ كلَّ البراءة مما نسب إليه، فلا يَهُوْلَنَّكَ كلام مَن يهرِف بما لا يعرِف، وإلا فإن الدَّسائس كثيرة وبعضها لا يحتاج كثير نظر لإدراك وضعِها على ألسنة الكذَّابين، عرف هذا من تتبع سيرته من المغاربة من أهل المذهب، ويكفي ابن تومرت فضلًا دوام انتفاع المُسلمين بمتن عقيدته المُرشدة الَّتي لا زال المُسلمون يردِّدونها في مشارق الأرض ومغاربها منذ ما يزيد عن تسعة قرون، وقد اهتم بتدريسها الإمام فخر الدين بن عساكر المتوفى سنة 620 هـ، ففي طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي ج 5 ص 69 – 70 أن الشيخ فخر الدين ابن عساكر رحمه الله كان يقرىء بالقدس العقيدة المرشدة.
فهو فقيه متكلم عالِم مالكيُّ المذهب أشعريُّ المُعتقد أصله من هرغة إحدى قبائل المصامدة البربرية في السوس الأقصى تعلم وحفظ القرآن في سن مبكرة وتمكن من تحصيل قدر كبير من العلوم والمعارف كان له اعتناء بموطإ الإمام مالك وله تأليف معروف باسم محاذي الموطأ وهو اختصار لرواية ابن بُكَير وأخذ عن الإِمام الكبير أبي عبد الله المازري ويُذكر أن كتاب التمهيد للباقلاني كان يدرس في المهدية في القرن الخامس الهجري على يد ابن القديم شيخ القاضي ابن العربي رحمهما الله ثم ذهب ابن تومرت للإسكندرية وهو ابن ثماني عشرة سنة وأخذ عن أبي بكر الطرطوشي ثم لبغداد وأخذ عن الإِمام الغزالي.رغم أن ابن تومرت رحمه الله كما ذكرنا كان عالِمًا كبيرًا فقيها مالكيا أشعريا إلاَّ أنه كان شديدًا غاية الشِّدَّة في إنكار المنكر والأمر بالمعروف شِدَّة تصل إلى حدِّ التنفير فكان يَنْفرُ عنه كثير من الناس حينما يأمرهم بالمعروف أو ينهاهم عن المنكر حتى إنه يقال خرج من الإسكندرية مطرودًا منها طرده واليها بعدما خشي منه، ثم ركب في سفينة متَّجهة إلى بلاد المغرب العربي مسقط رأسه وعلى السفينة أيضًا ظلَّ ابن تومرت على حِدَّته في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فمنع الخمور على ظهر السفينة وأمر بقراءة القرآن، واشتدَّ على الناس واختلف معهم كثيرًا فألقوه في عُرض البحر، وتركوه وساروا إلى بلاد المغرب وهو يسبح بإزاء السفينة نصف يوم كامل، فلما رأوا ذلك اشفقوا عليه، وأنزلوا مَنْ أخذه من البحر وعظم في صدورهم، ولم يزالوا مكرمين له إلى أن وصل تونس فينزل إلى بلد تُسَمَّى المهدية، ولما انتهى إلى المهدية نزل بمسجد مغلق، وهو على الطريق وجلس ينظر إلى المارة فلا يرى منكرًا من آلة الملاهي أو أواني الخمر إلا نزل إليها وكسرها فتسامع الناس به في البلد فجاءوا إليه وقرءوا عليه كتبًا من أصول الدين.
والله تعالى أعلم وأحكم
تجدون على موقع سحنون:
رد الإفتراءات على الفقيه المالكي ابن تومرت.
كتاب نظم الجمان هو لابن القطان المراكشي وليس الفاسي الحافظ والرّد على الخبر المكذوب عن ابن تومرت الأشعري.
ابن تومرت بريءٌ كلَّ البراءة مِن قتل القاضي عياض.
انتشار العقيدة المرشدة في بلاد المغرب.



