قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ وَقْتَ قِيَامِ السَّاعَةِ (مِنْ إِتْحَاف السَّادَةِ الْمُتَّقِينَ للْمُحَدِّث اللُّغَوِيّ الْفَقِيه الْحَنَفِيّ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيّ نَقْلًا عَنْ كِتَابِ التَّذْكِرَةِ الشَّرْقِيَّةِ لِأَبِي نَصْرٍ الْقُشَيْرِيِّ)
27 يونيو 2020
محمد بن عبدوس من كبار أصحاب سحنون وأئمة وقته
1 يوليو 2020

من أهل أفريقية أسد بن الفُرات بن سنان

من أهل أفريقية أسد بن الفرات بن سنان

مولى بني سليم من قيس كنيته أبو عبد الله.
قال أبو العرب في طبقاته وأبو علي البصري في معربه أنه من خراسان نيسابور.

قال بعضهم ولد بحرّان من ديار بكر.
وقيل بل قدم أبوه وأمه حامل به.
وقد كان علم القرآن ببعض القرى ثم اختلف إلى علي بن زياد بتونس فلزمه وتعلم منه وتفقه بفقهه، ثم رحل إلى المشرق فسمع من مالك بن أنس موطأه وغيره ثم ذهب إلى العراق فلقي أبا يوسف ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو وكتب عن يحيى بن أبي زائدة وهشيم والمسيب وأبي شريك وأبي بكر بن عياش وغيرهم.
وأخذ عنه أبو يوسف موطأ مالك وذكر يحيى بن اسحاق أنه قال أخذه عني محمد بن الحسن ولا أدري كيف هذا؟ محمد قد سمع الموطأ من مالك وسمع عليه حديثاً كثيراً.
قال محمد (أقمت عند مالك ثلاث سنين وسمعت منه لفظاً أكثر من سبعمائة حديث).
قال أسد (رأت أمي كأنَّ حشيشاً نبت على ظهري ترعاه البهائم فعبر لها بأنه علم يحمل عني) والله تعالى أعلم.

ذكر أخباره في رحلته:
قال أسد لما خرجت إلى المشرق وأتيت المدينة فقصدت مالكاً وكان إذا أصبح خرج آذنه، فأدخل أهل المدينة، ثم أهل مصر، ثم عامة الناس فكنت أدخل معهم فرأى مالك رغبتي في العلم، فقال لآذنه ادخل القروي مع المصريين فلما كان بعد يومين أو ثلاثة قلت له إن لي صاحبين وقد استوحشت أن أدخل قبلهما فأمر بإدخالهما معي وكان ابن القاسم وغيره يجعلونني أسأل مالكاً، فإذا أجابني قالوا لي قل له فإن كان كذا وكذا، فضاق علي يوماً وقال هذه سلسلة بنت سليسلة إن كان كذا كان كذا إن أردت فعليك بالعراق فلما ودعته عند خروجي إلى العراق دخلت عليه وصاحبان لي وهما حارث التيمي وغالب صهر أسد فقلنا له أوصنا فقال لي أوصيك بتقوى الله العظيم، والقرآن، ومناصحة هذه الأمة خيراً فراسة من مالك فيه فولي أسد بعد هذا القضاء.
قال وقال لصاحبي أوصيكما بتقوى الله والقرآن.
قال وما ودعت ابن القاسم قط إلا وقال لي أوصيك بتقوى الله والقرآن ونشر هذا العلم.

قال سليمان بن خالد لما سمع أسد الموطأ من مالك قال له زدني سماعاً، قال حسبك ما للناس، وكان مالك إذا تكلم بمسألة كتبها أصحابه فرأى أسد أمراً يطول فرحل إلى العراق.
قال فلما أتيت الكوفة، أتيت أبا يوسف، فوجدته جالساً ومعه شاب وهو يملي عليه مسألة، فلما فرغ منها قال ليت شعري ما يقول فيها مالك؟ قلت يقول كذا وكذا، فنظر إليّ، فلما كان في اليوم الثاني كان مثل ذلك، وفي الثالث مثله، فلما افترق الناس دعاني وقال من أين أنت ومن أين أقبلت؟ قال فأخبرته، قال وما تطلب؟ قلت ما ينفعني الله به، فعطف على الشاب الجالس وقال ضمه إليك لعل الله ينفعك به في الدنيا والآخرة، فخرجت معه إلى داره فإذا هو محمد بن الحسن فلزمته حتى كنت من المناظرين من أصحابه.
قال أسد قلت لمحمد من الحسن أنا غريب والسماع منك قليل.
قال اسمع مع العراقيين بالنهار وجئني بالليل وحدك تبيت معي وأسمعك، فكان إذا رآني نعست نضح وجهي بالماء.

قال محمد بن حارث وأبو اسحاق الشيرازي ويحيى بن اسحاق وبعضهم يزيد على بعض رحل أسد إلى العراق فتفقه بأصحاب أبي حنيفة ثم نعى مالك فارتجت العراق لموته، قال أسد فوالله ما بالعراق حلقة إلا وذكر مالك فيها، كلهم يقول مالك، مالك، إنّا لله وإنّا إليهِ رَاجعُون.

قال أسد فلمّا رأيت شدّة وجدهم واجتماعهم على ذلك ذكرته لمحمد بن الحسن وهو المنظور فيهم وقلت له لأختبره ما كثرة ذكركم لمالك، على أنه يخالفكم كثيراً فالتفت إليّ وقال لي اسكت كان والله أمير المؤمنين في الآثار فندم أسد على ما فاته منه وأجمع أمره على الانتقال إلى مذهبه فقدم مصر.

قال ابن حارث فقال أسد عند ذلك إن كان فاتني لزوم مالك فلا يفوتني لزوم أصحابه.

ذكر الكتب الأسدية والمدونة:
قال أبو اسحاق الشيرازي: لما قدم أسد مصر أتى إلى ابن وهب فقال هذه كتب أبي حنيفة، وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك فتورع ابن وهب وأبى فذهب إلى ابن القاسم فأجابه إلى ما طلب فأجاب فيما حفظ عن مالك بقوله وفيما شك قال أخال وأحسب وأظن، ومنها ما قال فيه سمعته يقول في مسالة كذا وكذا ومسألتك مثله، ومنه ما قال فيه باجتهاده على أصل قول مالك، وتسمى تلك الكتب الأسدية.

قال أبو زرعة الرازي: كان أسد قد سأل عنها محمد بن الحسن، قال أسد فكنت أكتب الأسئلة بالليل في فنداق من أسئلة العراقيين على قياس قول مالك وأغدو عليه بها فأسأله عنها فربما اختلفنا فتناظرنا على قياس قول مالك فيها فأرجع إلى قوله أو يرجع إلى قولي.

قال ولما أردت الخروج إلى إفريقية دفع إليّ ابن القاسم سماعه من مالك وقال لي ربما أجبتك وأنا على شغل ولكن أنظر في هذا الكتاب فما خالفه مما أجبتك فيه فأسقطه، ورغب إلي أهل مصر في هذه الكتب فكتبوها مني.

قال وهي الكتب المدونة وأنا دونتها وأخذ الناس عن ابن القاسم تلك الكتب.

وقال سليمان بن سالم: إن أسداً لما دخل مصر اجتمع مع عبد الله بن وهب فسأله عن مسألة فأجابه بالرواية فأراد أن يدخل عليه فقال له ابن وهب حسبك إذ أدّينا إليك الرواية.

ثم أتى إلى أشهب فأجابه فقال له من يقول هذا؟ فقال أشهب هذا قولي فدار بيننا كلام فقال عبد الله بن عبد الحكم لأسد مالك ولهذا أجابك بجوابه فإن شئت فأقبل وإن شئت فأترك، فرجع إلى ابن القاسم فسأله فأجابه فأدخل عليه، فأجابه حتى انقطع أسد في السؤال، فقال له ابن القاسم زد مغربي وقل من أين قلت حتى أبين لك، فقام أسد على قدميه في المسجد وقال معاشر الناس إن كان مات مالك، فهذا مالك، فكان يسأله كل يوم حتى دون عنه ستين كتاباً وهي الأسدية.

ومنعها أسد من سحنون فتلطف سحنون حتى وصلت إليه ثم ارتحل سحنون بالأسدية إلى ابن القاسم فعرضها عليه فقال له ابن القاسم فيها شيء لا بد من تغييره وأجاب عما كان يشك فيه واستدرك منها أشياء كثيرة لأنه كان أملاها على أسد من حفظه.

قال ابن الحارث رحل سحنون إلى ابن القاسم وقد تفقه في علم مالك فكاشف ابن القاسم عن هذه الكتب مكاشفة فقيه يفهم، فهذبها مع سحنون، وحكي أن سحنون لما ورد على ابن القاسم سأله عن أسد فأخبره بما انتشر من علمه في الآفاق، فسرّ بذلك ثم سأله وأحله ابن القاسم من نفسه بمحل، وقال له سحنون أريد أن أسمع منك كتب أسد فاستخار الله وسمعها عليه وأسقط منها ما كان يشك فيه من قول مالك، وأجابه فيه على رأيه وكتب إلى أسد أن عارض كتبك بكتب سحنون فإني رجعت عن أشياء مما رويتها عني.

ذكر مكان أسد من العلم والفضل والسنة:

قال أبو العرب كان أسد ثقة، لم يزن ببدعة.
قال يحيى بن سلام حدث أسد يوماً بحديث الرؤية وسليمان الفراء المعتزلي في آخر المجلس فأنكر الرؤية فسمعه أسد فقام إليه وجمع بين طوقيه ولحيته واستقبله بنعله فضربه حتى أدماه وطرده من مجلسه، وقيل بل كان يقرأ عليه في تفسير المسيب بن شريك (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) وسليمان حاضر فقال من الانتظار يا أبا عبد الله؟ فأخذ أسد بتلبيبه ونعلاً غليظا بيده الأخرى وقال يا زنديق! لتقولنها أولا لا تبصر بها عينيك، فقال سليمان نعم، تنظر.

قال غيره كان أسد أعلم العراقيين بالقيروان كافة ومذهبه السنة لا يعرف غيرها.
قال ولما قدم أسد القيروان سمع منه علماؤها ووجوهها سحنون بن سعيد وأمثاله من المدنيين وأصحابه المعروفون به كمعمر وبنى وهب وسليمان بن عمران وبني قادم وابن المنهال وسائر الكوفيين سمعوا منه كتب أبي حنيفة وكان أسد إذا سرد أقوال العراقيين يقول له مشائخ المدنيين أوقد القنديل الثاني يا أبا عبد الله فيسرد أقاويل المدنيين.

ولاية أسد للقضاء والإمارة:

ولى زيادة الله أسداً القضاء شريكاً لأبي محرز الكناني سنة ثلاث أو أربع ومائتين فاشتركا في القضاء وكان ما بينهما غير جميل فكان أسد أغزرهما علماً وفقهاً وأبو محرز أسدهما رأياً وأكثرهما صواباً فأقام قاضياً إلى أن خرج إلى صقلية سنة اثنتي عشرة والياً على جيشها وكان على علمه وفقهه أحد الشجعان فخرج أسد في عشرة آلاف رجل منهم تسعمائة فارس وكان سبب غزوة صقلية أنهم كانوا معه في هدنة وكان في شرطهم أن من دخل إليهم من السلمين وأراد أن يرد فعليه رده، فرفع إلى زيادة الله أن عندهم أسرى، فجاء رسل طاغيتها، فجمع زيادة الله العلماء وسألهم عن الأمر، فقال أبو محرز يستأنى حتى يتبين وقال أسد يسأل رسلهم عن ذلك، فقال أبو محرز كيف يقبل قولهم عليهم فقال أسد بالرسل هادناهم وبهم نجعلهم ناقضين، قال الله تعالى (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ) فنحن الأعلون، فسأل الرسل، فاعترفوا أنهم في دينهم لا يحلُّ لهم ردهم، فأمر زيادة الله بالغزو إليها، فقال أسد إذ ذاك لزيادة الله من بعد القضاء والنظر في الحلال والحرام تعزلني وتوليني الإمارة؟ فقال لا، ولكني وليتك الإمارة وهي أشرف وأبقيت لك اسم القضاء فأنت أمير قاض، فخرج إلى صقلية وظفر بكثير منها وتوفي وهو محاصر سرقوسة منها، وكان أيضاً قد غزا سردانية فأشرف على فتحها وحسده بعض من كان معه، فانهزم وبلغ ذلك الأمير فقال له بلغني كذا فهمّ لي من فعل ذلك معه، فلم يفعل، ولك خرج أسد إلى سوسة ليتوجه منها إلى صقلية، خرج معه وجوه أهل العلم والناس يشيعونه، وأمر زيادة الله أن لا يبقى أحد من رجاله إلا شيعه فلما نظر الناس حوله من كل جهة، وقد صهلت الخيل وضربت الطبول وخفقت البنود، قال لا إلهَ إلاَّ اللَّه وحده لا شريك له، والله يا معاشر المسلمين ما ولي لي أب ولا جدّ ولا رأى أحد الناس من سلفي مثل هذا ولا بلغت ما ترون إلا بالإقلام فاجهدوا أنفسكم فيها وثابروا على تدوين العلم تنالوا به الدنيا والآخرة.

وحكى سليمان بن سالم أن أسداً لقي ملِك صقلية في مائة ألف وخمسين ألفاً، قال الرواي فرأيت أسداً وفي يده اللواء وهو يزمزم وأقبل على قراءة يس، ثم حرض الناس وحمل وحملوا معه، فهزم الله جموع النصارى ورأيت أسداً وقد سالت الدماء مع قناة اللواء حتى صار تحت إبطه، ولقد رد يده في بعض تلك الأيام فلم يستطع مما اجتمع من الدم تحت إبطه.

بقية أخباره ووفاته:
كان أسد يقول أنا أسد وهو خير الوحوش وأبي فرات وهو خير المياه وجدي سنان وهو خير السلاح، وكانت وفاة أسد في حصار سرقوسة من غزوة صقلية وهو أمير الجيش وقاضيه سنة ثلاث عشر ومائتين وقيل أربع عشرة وقيل سبع عشرة وقبره ومسجده بصقلية مولده سنة خمس وأربعين ومائة، بحران ويقال سنة ثلاث ويقال سنة اثنين وأربعين وكان قدومه من المشرق سنة إحدى وثمانين ومائة.

من ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للإمام القاضي العلامة الحافظ شيخ الإسلام أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي ثم السبتي المالكي توفي 544 هـ رحمه الله تعالى.

والله تعالى أعلم.

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *