أئمة مذهب مالك وأعلامه بالعراق إسماعيل بن إسحاق القاضي

بيان كفر من شك في قدرة الله على كل شئ
8 يونيو 2020
حديث (أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى)
10 يونيو 2020

أئمة مذهب مالك وأعلامه بالعراق إسماعيل بن إسحاق القاضي

من أهل العراق والمشرق ثم من آل حماد بن زيد أئمة هذا المذهب وأعلامه بالعراق إسماعيل بن إسحاق القاضي

ولنبدأ قبل ذكره بشيء من خبر آل حماد بن زيد على الجملة وجلالة أقدارهم وقد ذكرنا قوماً منهم في الطبقة الأولى كانت هذه البيتة (1) على كثرة رجالها وشهرة أعلامها من أجل بيوت العلم بالعراق وأرفع مراتب السؤدد في الدين والدنيا وهم نشروا هذا المذهب هناك ومنهم اقتبس.

فمنهم من أئمة الفقه ومشيخة حديث والسنن عدة، كلهم جلة ورجال سنّة، روي عنهم في أقطار الأرض وانتشر ذكرهم ما بين المشرق والمغرب وتردد العلم في طبقاتهم وبيتهم نحو ثلاثمائة عام من زمن جدهم الإمام حماد بن زيد وأخيه سعيد ومولدهما نحو المائة إلى وفاة آخر من وصف منهم بعلم المعروف بابن أبي يعلى ووفاته قرب عام أربعمائة.

قال أبو محمد الفرغاني التاريخي (2) (لا نعلم أحداً من أهل الدنيا بلغ ما بلغ آل حماد بن زيد).
قال أبو بكر المراغني (نال بنو حماد من الدنيا مزية ومنزلة رفيعة وأول نكبة نكبوها أيام ابن المعتز).

ولم يبلغ أحد ممن تقدم من القضاة ما بلغوا من اتخاذ المنازل والضياع والكسوة والآلة ونفاذ الأمر في جميع الآفاق فكان لا يبقى أمير في أقطار الأرض شرقاً وغرباً إلا كاتبوهم.

وسيأتي من مفصل (3) قصصهم في الطبقات ما يدل على مكانهم من الدين والدنيا.

ذكر إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل القاضي:

ابن حماد بن زيد بن درهم بن بابك الجهضمي الأزدي مولى آل جرير بن حازم كذا قال أبو الفضل القشيري.

وابن أبي إسحاق أصله من البصرة وبها نشأ واستوطن بغداد، سمع محمد بن عبد الله الأنصاري، ومسلم بن ابراهيم الفراهيدي، وسليمان بن حرب الواشحي، وحجاج بن منهال الأنماطي، وعمرو بن مرزوق، ومحمد بن كثير، ومسدَّدا، والقعنبي، وعبد الله بن رجاء الفداني، وأبا الوليد الطيالسي، وأحمد بن يونس، وابراهيم بن الحجاج، واسماعيل بن أبي أويس، وعلي بن المديني، وإسحاق بن محمد القروي.

وسمع أيضاً من أبيه، ونصر بن علي الجهضمي، وأبي بكر بن أبي شيبة، وابراهيم بن حمزة، وأبي مصعب الزهري، وأبي محمد الحكمي، وأبي ثابت المدني، وأبي شاكر بن محمد بن مسلمة المدني، وغيرهم وتفقه بابن المعذِّل.

قال الشيرازي (كان القاضي اسماعيل يقول أفخر على الناس برجلين بالبصرة بابن المعذّل يعلّمني الفقه وابن المديني يعلمني الحديث).

روى عنه موسى بن هارون الحافظ، وعبد الله بن حنبل، وأبو القاسم البغوي ويحيى بن صاعد، وابن عمه يوسف بن يعقوب، وابنه أبو عمر القاضي وأخوه وابراهيم بن عرفة نفطويه وابن الأنباري، والمحاملي، ومحمد بن مخلد الزوري، ومحمد بن أحمد الحكمي واسماعيل الصفّار، ومحمد بن عمرو الرّزاز، وعبد الصمد الطستي، وأبو عمرو بن السماك، وأحمد بن سليمان النجار، وأبو سهل بن زياد، وحمزة بن محمد الدهقان، ومكرم بن أحمد القاضي، وأبو بكر الشافعي.

وممن تفقه عليه وروى عنه وسمع منه ابن أخيه ابراهيم بن حماد، وابنا بكير، والنسائي وابن المنتاب، وأبو بشر الدولابي، وأبو الفرج القاضي، وأبو يعقوب الرازي، وأبو بكر بن الجهم، وأبو الفضل بن راهويه، وأبو إسحاق الهجيمي، ومحمد بن أحمد الدينوري، وأبو عبد الله التركاني، وبكر القشيري، وابن حشام (4) البصري والطيالسي، وأبو محمد عبد الرحمن بن محمد الزهري، وأبو العباس الحناوي، وعبد الله بن أحمد بن يوسف بن يعقوب والفريابي وابن مجاهد المقرئ، ويحيى بن عمر الأندلسي، وقاسم بن أصبغ الأندلسي، وخلق عظيم وبه تفقه أهل العراق من المالكية.

ثناء الناس عليه ومكانه من الإمامة في العلوم وذكر فضله:

قال أبو بكر أحمد بن ثابت الحافظ في تاريخ البغداديين (كان اسماعيل فاضلاً عالماً متفنناً فقيهاً على مذهب مالك شرح مذهبه ولخصه واحتج له وصنف المسند وكتباً عدة من علوم القرآن وجمع حديث مالك ويحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب السختياني).

قال أبو إسحاق الشيرازي (كان اسماعيل جمع القرآن وعلم القرآن والحديث وآثار العلماء والفقه والكلام والمعرفة بعلم اللسان وكان من نظراء أبي العباس المبرد في علم كتاب سيبويه).

وكان المبرد يقول (لولا شغله برئاسة العلم والقضاء لذهب برئاستنا في النحو والأدب).

ورد على المخالفين من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة.
وحُمل من البصرة إلى بغداد وعنه انتشر مذهب مالك بالعراق.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (كان ثقة صدوقاً وكتب إلينا ببعض حديثه.
قال غيره كان ثقة هو أول من بسّط قول مالك واحتج له وأظهره بالعراق.
وكان أبو حازم القاضي الحنفي يقول (لبث اسماعيل أربعين سنة يميت ذكر أبي حنيفة من العراق).

قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد (القاضي اسماعيل شيخ المالكيين وإمام تام الإمامة يقتدى به).

قال طلحة بن محمد بن جعفر في تاريخه (اسماعيل بن إسحاق منشؤه بالبصرة وأذن للفتيا عن أحمد بن المعذّل، وتقدم في العلم حتى صار علماً ونشر من مذهب مالك وفضله ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، وصنّف في الاحتجاج له والشرح ما صار لأهل هذا المذهب مثالا يحتذونه وطريقاً يسلكونه، وانضاف إلى ذلك علمه بالقرآن فإنه ألف فيه كتبا ككتاب أحكام القرءان وهو كتاب لم يسبقه أحد من أصحابه إلى مثله وكتابه في القراءات وهو كتاب جليل المقدار عظيم…وكتابه في معاني القرآن وهذان الكتابان شهد بتفضيله فيهما أبو العباس المبرد، وسمعت أبا بكر بن مجاهد يصف هذين الكتابين، وذكر أن المبرد كان يقول القاضي أعلم مني بالتصريف وبلغ من العمر ما صار واحد عصره في علوم الإسناد فحمل الناس عنه من الحديث الحسن ما لم يحمل عن كثير وكان الناس يصيرون إليه فيقتبس منه كل فريق علماً لا يشاركه فيه الآخرون فمن قوم يحملون الحديث ومن قوم يحملون علم القرآن والقراءات والفقه إلى غير ذلك).

قال القاضي أبو الوليد الباجي (وذكر من بلغ درجة الإجتهاد وجمع إليه العلوم فقال ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك إلا لإسماعيل القاضي).
وانفرد بالإمامة في وقته ولم ينازعه أحد في عصره، روى القراءة عن ابن مجاهد وابن الأنباري وخلق لا يحصون.

ولايته القضاء وسيرته فيه:

قال أبو بكر الخطيب (قال أبو العباس الأصم كان اسماعيل بن إسحاق نيف وخمسين سنة قاضياً ما عزل عنها إلا سنتين).

وقال ابن أبي طاهر في تاريخه (إن ذلك كان سنة سبع وخمسين فلم يزل اسماعيل على الجانب الغربي بأسره إلى سنة اثنين وستين فجمعت له بغداد كلها والقاضي بسر من رأى علي بن محمد بن أبي الشوارب وكان يدعى بقاضي القضاة واسماعيل المقدم على سائر القضاة إلى أن توفي).

قال ابن أبي طاهر (ولم يجمع قضاء بغداد لأحد قبله وأضاف إليه قضاء المدائن والنهر وأنات).

وذكر ابن حارث وغيره أنه ولي قضاء القضاة آخراً ولم يذكره المؤرخون وهم أقعد بهذا وكان يكتب له في قضائه أبو العباس بن سريج الشافعي المعروف بالبازي الأشهب وهو الذي ألف التوسّط بين محمد بن الحسن واسماعيل القاضي وهو كتاب كبير.

قال طلحة بن محمد بن جعفر (وأما شدائد إسماعيل في في القضاء وحسن مذهبه فيه وسهولة الأمر عليه مما كان يلتبس على غيره ففي شهرته ما يغني عن ذكره وكان في أكثر أوقاته وبعد فراغه من الخصوم متشاغلاً بالعلم……وكان إسماعيل شديداً على أهل البدع يرى استتابتهم حتى ذكر أنهم تحاموا بغداد في أيامه).

ذكر تواليفه ووفاته:

تواليف القاضي اسماعيل كثيرة مفيدة أصول في فنونها.
فمنها موطؤه وكتاب أحكام القرآن وكتاب القراءات وكتاب معاني القرآن وإعرابه خمسة وعشرون جزءاً وكتاب الرد على محمد بن الحسن مائتا (5) جزء ولم يتم وكتبه في الرد على أبي حنيفة وكتبه في الرد على الشافعي في مسألة الخمس وغيره وكتاب المبسوط في الفقه ومختصره وكتاب الأموال والمغازي وكتاب الشفاعة وكتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والفرائض مجلد وزيادات الجامع من الموطأ أربعة أجزاء.
وله كتاب غريب كبير عظيم يسمى شواهد الموطأ في عشر مجلدات وذكر بعضهم أنه في خمسمائة جزء وكتاب مسند يحيى بن سعيد الأنصاري ومسند حديث ثابت البناني ومسند حديث مالك بن أنس ومسند حديث أيوب السختياني ومسند حديث أبي هريرة وفي حديث أم زرع وكتاب الأصول وكتاب الاحتجاج بالقرآن مجلّدان وكتاب السنن وكتاب الشفعة وما ورد فيها من الآثار ومسألة المني يصيب الثوب وغيرهم من الكتب.

وذكر ابن كامل وابن حارث أنه توفي فجأة وقت صلاة العشاء الآخيرة ليلة الأربعاء لثمان بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين ومائتين وهو قاض على جانبي بغداد.
وقال ابن أزهر الكاتب ارتفع المطر فخرج اسماعيل الى المصلى فصلى ركعتين بسبّح وهل أتاك ثم صعد المنبر وخطب خطبتين وحول رداءه وحدّث بحديث طويل خشع له الناس وبكى الناس وانصرف خاشعاً فلما كان الى أيام صلى في مسجده العصر وهو صحيح وحكم ثم انصرف إلى داره ووجد للمغرب ضعفاً فعهد إلى ابنه الحسين وإلى ابن عمه يوسف بن يعقوب وتوفي في تلك الليلة.
وفي رواية أخرى أنه توفي من ليلة يوم استسقائه وصلى عليه ابن عمه يوسف وورث خطته (6) من الإمامة في الدين والدنيا بنو عمّه سيأتي ذكرهم.

مولده سنة مائتين وتوفي وهو ابن اثنتين وثمانين سنة.
وخلّف ابناً اسمه الحسن ويكنى بأبي علي كان يصحب السلطان معدوداً في جلساء الخليفة وخاصته لطيف المكان هناك.
قال الخطيب روى عن أبيه حدّث عنه علي بن ابراهيم بن حماد الأهوازي وكان ألفاً لأهل الأدب، معاشراً لأهل الفضل فهماً حسن المحاضرة مليح النادرة سمح النفس جميل الأخلاق لم يسند في الأحاديث إلا يسيراً توفي سنة تسع وثلاثمائة وله أربع وتسعون (7) ويقال سبعون سنة وصلى عليه القاضي أبو عمر.

من ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للإمام القاضي العلامة الحافظ شيخ الإسلام أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي ثم السبتي المالكي توفي 544 هـ رحمه الله تعالى.

(1) لعلّها في الأصل (البيت) والله أعلم.
(2) لعلّها في الأصل (في التاريخ) والله أعلم.
(3) لعلّها في الأصل (فضل) والله أعلم.
(4) لعلّها في الأصل (حسام) والله أعلم.
(5) مائة أو مائتين، الله تعالى أعلم.
(6) لعلها في الأصل (خطبته) والله أعلم.
(7) لعلها في الأصل (أربع وستون) والله أعلم.

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *