الحَافِظُ أَبُو الشَّيْخِ الأَصْبَهَانِيُّ
10 نوفمبر 2016
الصحابي الجليل الزبير بن العوام حَواريُّ النبي صلى الله عليه وسلم
10 نوفمبر 2016

الخليفة سليمان القانوني

هذه سيرة السلطان سليمان وليست سيرة ما يسمونه حريم السلطان ذلك المسلسل المزعوم.

الخليفة سليمان القانوني

هذه سيرة السلطان سليمان وليست سيرة ما يسمونه حريم السلطان ذلك المسلسل المزعوم.

ﻳُﺮﻭﻯ ﻋﻦ الخليفة العثماني ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ رحمه الله أنَّ ﻣﻮظفي ﺍﻟﻘﺼﺮ أخبروه عن استيلاء ﺍﻟﻨﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺟﺬﻭﻉ ﺍﻷﺷﺠﺎﺭ ﻓﻲ ﻗﺼﺮ ﻃﻮﺏ ﻗﺎﺑﻲ، ﻭﺑﻌﺪ ﺍﺳﺘﺸﺎﺭﺓ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺧﻠﺺ ﺍﻷﻣﺮ ﺇﻟﻰ ضرورة ﺩﻫﻦ جذوع الأشجار ﺑﺎﻟﺠﻴﺮ ﻭﻟﻜﻦ السلطان سليمان كان من عادته حين ﻳﻘﺪﻡ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﺮ أن يأخذ رأي مفتي الدولة الذي كان لقبه الرسمي شيخ ﺍﻹﺳﻼﻡ فذهب ﺇﻟﻰ ﺃﺑﻲ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩ ﺃﻓﻨﺪﻱ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﻳﻄﻠﺐ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻔﺘﻮى ﻓﻠﻢ يجده ﻓﻲ مكانه ﻓﻜﺘﺐ ﻟﻪ ﺭﺳﺎﻟﺔ ببيت شعر ﻳﻘﻮﻝ فيها:

ﺇﺫﺍ ﺩﺏَّ نملٌ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺠﺮ *** ﻓﻬﻞ ﻓﻲ ﻗﺘﻠﻪ من ﺿﺮﺭ؟

ولما قرأ الشيخ أبو السعود الرسالة أجابه بقوله:

ﺇﺫﺍ ﻧُﺼﺐَ ﻣﻴﺰﺍﻥ ﺍﻟﻌﺪﻝ *** أخذ ﺍﻟﻨﻤﻞ ﺣﻘﻪ ﺑﻼ وجل

وﻫﻜﺬﺍ ﻛﺎﻥ ﺩﺃﺏ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﺳُﻠﻴﻤﺎﻥ فقد كان لا ﻳُﻨﻔﺬ ﺃﻣﺮﺍً ﺇﻻ ﺑﻔﺘﻮﻯ ﻣﻦ علماء الإسلام.

ولما ﺗُﻮﻓﻲ ﺍﻟﺴُﻠﻄﺎﻥ سليمان ﺃﺛﻨﺎﺀ سفره إﻟﻰ فيينا قبل ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺯﻳﻜﺘﻮﺭ عاﺩﻭﺍ ﺑﺠﺜﻤﺎﻧﻪ إﻟﻰ اﺳﻄﻨﺒﻮﻝ، ﻭﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻟﺘﺸﻴﻴﻊ ﻭﺟﺪﻭﺍ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺃﻭﺻﻰ ﺑﻮﺿﻊ ﺻﻨﺪﻭﻕ ﻣﻌﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺒﺮ، ﻓﺘﺤﻴّﺮ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻭ ﻇﻨﻮﺍ ﺃﻧﻪ ﻣﻠﻲﺀ ﺑﺎﻟﻤﺎﻝ ﻓﻠﻢ ﻳﺠﻴﺰﻭﺍ ﺇﺗﻼﻓﻪ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﺘُﺮﺍﺏ ﻭﻗﺮﺭﻭﺍ ﻓﺘﺤﻪ، فأﺧﺬﺗﻬﻢ ﺍﻟﺪﻫﺸﺔ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺭﺃﻭﺍ ﺃﻥَّ ﺍﻟﺼّﻨﺪﻭﻕ ﻣﻤﺘﻠﺊ بفتواهم حتى يدافع بها عن نفسه يوم الحساب.

ﻓﺮﺍﺡ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺃﺑﻮ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩ مفتي الدولة العثمانية ﻳﺒﻜﻲ ﻗﺎﺋﻼً: ﻟﻘﺪ ﺃﻧﻘﺬﺕ ﻧﻔﺴﻚ ﻳﺎ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﻓﺄﻱ ﺳﻤﺎﺀٍ ﺗﻈﻠﻨﺎ ﻭﺃﻱ ﺃﺭﺽٍ ﺗُﻘﻠّﻨﺎ ﺇﻥ ﻛﻨﺎ ﻣﺨﻄﺌﻴﻦ ﻓﻲ ﻓﺘﺎﻭﻳﻨﺎ؟

ومما روي عنه رحمه الله قوله (عندما أموت أخرجوا يدي من التابوت لكي يرى كل الناس أنه حتى السلطان خرج من هذه الدنيا بيدٍ فارغة).

هذه سيرة السلطان سليمان وليست سيرة ما يسمونه حريم السلطان ذلك المسلسل المزعوم والقنوات والممثلين الذين شوهوا صورة ذلك البطل المجاهد الذي بلغت مساحة دولته 24 مليون كم موزعة اليوم على 40 دولة والذي كان شاعراً وخطاطاً مجيداً، خطَّ القرآن الكريم بيده 8 مرات وكان ملماً بعدة لغات من بينها اللغة العربية وكان يلقب بسلطان المثقفين ومثقف السلاطين.

وقد دام حكمه 47 عاماً قضى منها 10 سنوات على ظهر فرسه غازياً في سبيل الله وقاد خلالها 13 حملة عسكرية بنفسه.

وفي عهده فتحت صربيا والمجر وجنوب أوكرانيا ورومانيا وبلاد القوقاز ووصلت قواته الى النمسا في قلب أوروبا وحررت في عهده الجزائر وليبيا من الاحتلال الأسباني والعراق من الاحتلال الصفوي وحررت البحرين واليمن وتم تطهير سواحل الخليج العربي وخليج عدن من الأساطيل البرتغالية الصليبية، وكان يتدخل في شؤون فرنسا الداخلية ويعتبرها ولاية تابعة لدولته.

وفي عهده تنازلت فرنسا عن ميناء طولون فأصبح قاعدة حربية إسلامية هامة في غرب أوروبا.

ولما توفي السلطان سليمان القانوني ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺳﻔﺮﻩ ﺍﻟﻰ ﻓﻴﻴﻨﺎ قبل ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺯﻳﻜﺘﻮﺭ دقت أجراس الكنائس في كل أوروبا فرحاً بموته وجعلوا يوم وفاته عيداً من أعيادهم.

يقول المؤرخ الألماني الشهير هالمر: كان هذا السلطان أشد خطراً علينا من صلاح الدين نفسه.

هذا هو السلطان سليمان القانوني الذي شوّه بعض الناس تاريخه وجعلوه محباً للنساء يلعب ويلهو مع ما سموه (حريم السلطان).

قال الفقيه المؤرخ ابن العماد الحنبلي في كتابه (شذرات الذهب) عن الخليفة سليمان القانوني: استمر في السلطنة تسعا وأربعين سنة وهو سلطان غاز في سبيل الله مجاهد لنصرة دين الله.

وقال فيه: وكان مجدد دين هذه الأمة المحمدية في القرن العاشر.

وقال عنه محمود مقديش التونسي في كتابه نزهة الأنظار: ولم يكن أكثرُ جهادا ونصرة للدين وأكملُ عّدَّة وآلة لقطع الملاعين وأقمع لأهل البغي والبدعة والكفرة الملحدين أشدّ عضدا وأشدّ نصراً لأهل السنة والدين منه (أي في زمانه) رحمه الله. انتهى

وقال ابن العماد الحنبلي: لا يعرف الغلّ والخداع ويتحاشى عن سوء الطباع ولا يعرف المكر والنفاق ولا يألف مساوئ الأخلاق بل هو صافى الفؤاد صادق الاعتقاد.

وسبحان الله والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *