سُورَةُ الْحَاقَّةِ مَكِيَّةٌ فِى قَوْلِ الْجَمِيعِ وَهِىَ اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ ءَايَةً

سُورَةُ الْقَلَمِ مَكِّيَّةٌ وَهِىَ اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ ءَايَةً
30 أغسطس 2017
يقول الإمام الحافظ الكبير أحمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي السلفي (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر)
31 أغسطس 2017

سُورَةُ الْحَاقَّةِ مَكِيَّةٌ فِى قَوْلِ الْجَمِيعِ وَهِىَ اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ ءَايَةً

سُورَةُ الْحَاقَّةِ مَكِيَّةٌ فِى قَوْلِ الْجَمِيعِ وَهِىَ اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ ءَايَةً

بسم الله الرحمن الرحيـم

﴿الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثـمودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثـمودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثـمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالـمؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) إِنَّا لـما طَغَى الـماءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالـملَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثـمانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيـمينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بـما أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لـم أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلـم أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثـم الْجَحِيـم صَلُّوهُ (31) ثـم فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيـم (33) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الـمسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيـم (35) وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (36) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ (37) فَلا أُقْسِمُ بـما تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيـم (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالـمينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيـمينِ (45) ثـم لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلـمتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلـم أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيـم (52)﴾.

﴿الحاقةُ﴾ يعني القيامة، سُـميت حاقة من الحقِّ الثابتِ يعني أنها ثابتةُ الوقوعِ لا ريبَ فيها.

﴿ما الحاقَّةُ﴾ ما استفهامٌ لا يرادُ حقيقتُهُ بل الـمقصودُ منه تعظيـمُ شأنها وتهويلُه أي ما هي الحاقة، ثـم زاد في التهويل بأمرها فقال ﴿وما أدراكَ﴾ أي أعلـمَك، أي لـم تعايِنْها ولـم تدر ما فيها من الأهوالِ ﴿ما الحاقةُ﴾ زيادَةُ تعظيـمٍ لشأنها ومبالغَةٌ في التهويل، والـمعنى أن فيها ما لـم يُدر ولـم يُحط به وصفٌ من أمورِها الشاقَةِ وتفصيلِ أوصافِها. ثـم ذكر الله تعالى الـمكذبين بها فقال ﴿كذَّبتْ ثـمودُ﴾ وهم قومُ سيدِنا صالحٍ عليه السلام ﴿وعادٌ﴾ وهم قوم سيدِنا هودٍ عليه السلام ﴿بالقارعةِ﴾ أي بيوم القيامَةِ، والقارعةُ اسم من أسماء يوم القيامة.

﴿فأمَّا ثـمودُ فأُهْلِكوا بالطاغيةِ﴾ أي بطغيانِهم وكفرِهم، وقيلَ بالصيحَةِ الشديدة الـمـجاوِزَةِ في قوتها وشدتها عن حد الصيحاتِ بحيثُ لـم يتحملها قلب أحدٍ منهم كما قال الله تعالى ﴿إنَّا أرْسَلنا عليهم صَيحةً واحدةً فكانوا كَهشيمِ الـمحْتَظر﴾ سورة القمر، والـمقصود من ذكر هذه القصص زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهؤلاء الأمم في الـمعاصي لئلا يحُل بها ما حل بهم.

﴿وأمَّا عادٌ فأُهلِكوا بريحٍ صرصرٍ﴾ باردة تحرقُ ببردها كإحراق النار، وقيل الشديدَةِ الصوت ﴿عاتيةٍ﴾ شديدةِ العصف تجاوزت في الشدةِ والعُصوفِ مقدارَها الـمعروف في الهبوب والبرد، فهم أي قوم عاد مع قوتهم وشدتهم لـم يقدروا على ردّها بحيلة من الاستتار ببنيان أو الاستنادِ إلى جبل أو اختفاءٍ في حفرة لأنها كانت تَنزِعُهم عن أماكنهم وتهلكهم.

﴿سَخَّرَها﴾ أي سلطها الله وأدامَها ﴿عليهم سبعَ ليالٍ وثـمانيةَ أيَّامٍ حُسومًا﴾ أي متتابِعَةً دائمةً ليس فيها فتورٌ وذلك أن الريح الـمهلكةَ تتابعت عليهم في هذه الأيام فلـم يكن لها فتورٌ ولا انقطاع حتى أهلكتهُم، وقيل: كامِلَة، ﴿فَتَرى القومَ﴾ يعني قومَ عاد ﴿فيها﴾ في تلك الليالي والأيامِ ﴿صَرْعى﴾ جمع صريعٍ يعني موتى ﴿كأنَّهُم أعْجازُ﴾ أي أصول ﴿نَخْلٍ خاويةٍ﴾ أي ساقِطَة، وقيل خاليةُ الأجواف، وشبههم بجذوعِ نخل ساقطةٍ ليس لها رءوس، فإن الريح كانت تحمل الرجلَ فترفعُه في الهواء ثـم تلقيهِ فتشدَخَ رأسَهُ فيبقى جثة بلا رأس، وفي تشبيههم بالنخلِ أيضًا إشارة إلى عِظَم أجسامِهم.

﴿فَهَلْ ترى لهُم من باقية﴾ أي من نفسٍ باقية، أو التاء للـمبالغة أي هل ترى لها من باق؟ لا.

﴿وجاءَ فرعونُ ومَنْ قبلهُ﴾ أي من الأمم الكافرة التي كانت قبله كقوم نوح وعاد وثـمود ﴿والـمؤتَفِكاتُ﴾ يعني أهلَ قرى قومِ لوطٍ وكانت أربعَ أو خمسَ قريات التي ائتفكت أي انقلبت بأهلها فصار عاليها سافِلَها ﴿بالخاطِئةِ﴾ أي بالفَعْلَةِ أو الفَعَلاتِ الخاطئة وهي الـمعصية والكفر، وقيل الخطايا التي كانوا يفعلونها، وقيل: هي ذاتُ الخطإِ العظيمِ.  وقرأ أبو عمرو، ويعقوب، والكسائي ﴿ومنْ قِبَلَهُ﴾ بكسر القاف وفتح الباء، والباقون بفتح القاف وإسكان الباء.

﴿فَعَصَوا﴾ أي عصى هؤلاء الذين ذكرهم الله وهم فرعونُ ومن قبله والـمؤتفكات ﴿رسولَ ربِّهم﴾ أي كذبوا رُسُلَهم ﴿فأخَذَهُمْ﴾ ربهم ﴿أخذةً رابيةً﴾ أي زائدَةً شديدة نامية زادت على غيرِها من الأخذات كالغرقِ كما حصل لفرعونَ وجنودِه وقلبِ الـمدائن كما حصل لقومِ لوط.

﴿إنَّا لـما طغى الـماءُ﴾ أي زادَ وارتفعَ وعلا على أعلى جبلٍ في الدنيا، والـمرادُ الطوفانُ الذي حصلَ زَمَن سيدِنا نوحٍ عليه السلامُ ﴿حَمَلْناكُم﴾ أي حملنا ءاباءَكُم وأنتم في أصلابِهم ﴿في الجاريةِ﴾ أي السفينَةِ الجاريَةِ على وجهِ الـماءِ وهي السفينةُ التي صنعَها سيدُنا نوحٌ عليه السلامُ بأمرِ اللهِ تعالى وصعَد عليها ومن ءامَنَ به.

فإن قيل إن الـمخاطبينَ لـم يُدركوا السفينَة فكيفَ يقالُ ﴿حَملناكُم في الجاريةِ﴾، فالجواب أن الذينَ خوطبوا بذلك وهم من ذريَّةِ الذين حُملوا في الجاريَةِ أي السفينَةِ وهم سيدُنا نوح عليه السلامُ وأولادُه فكان حملُ الذينَ حُملوا فيها من الأجدادِ حَمْلاً لذريتِهِم.

﴿لِنَجْعَلَها﴾ أي لنجعلَ تلك الفَعْلَةَ وهي إنجاءُ الـمؤمنينَ وإهلاكُ الكفرة ﴿لكُم تذكرةً﴾ أي عبرةً وعظةً ودلالة على قدرة الخالقِ وحكمتِهِ وكمالِ قهرِهِ وقدرتِهِ ﴿وتَعِيَها﴾ أي تحفظَ قِصتَها ﴿أذنٌ واعيةٌ﴾ أي حافِظَةٌ لـما تَسمعُ أي من شأنها أن تعي الـمواعِظَ وما جاءَ من عندِ اللهِ لإشاعَةِ ذلكَ والتفكرِ فيهِ والعملِ بـموجَبِه.

﴿فإذا نُفِخَ﴾ أي فإذا نفخَ إسرافيلُ وهو الـملكُ الـموكل بالنفخِ ﴿في الصورِ﴾ في البوقِ ﴿نفخةٌ﴾ وهي النفخةُ الأولى وقيل النفخةُ الثانيةُ ﴿واحدةٌ﴾ تأكيد.

﴿وحُمِلَت﴾ أي رُفعت من أماكنِها ﴿الأرضُ والجِبالُ﴾ أي حملتْها الريحُ العاصِفُ أو الـملائِكَةُ أو اللهُ عز وجل بقدرتهِ من غير مُـماسةٍ ولا مباشرَةٍ كما قال الإمام زين العابدين علي بنُ الحسين بنِ عليٍّ رضي الله عنهم (سبحانك لا تُـمس ولا تُحسُّ ولا تُجس).

﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحدةً﴾ أي ضربَ بعضُها ببعضٍ حتى تفتَّتَت، وقيل تُبسَطُ فتصيرُ أرضًا مستويةً كالأديـمِ الـممدودِ.

﴿فيَومئذٍ وقَعَتِ الواقعةُ﴾ أي قامَت القيامةُ، والواقعةُ هي القيامة.

﴿وانْشقَّتِ السماءُ﴾ أي انفطرت وتصدعت وتـميزَ بعضُها من بعض ﴿فَهِيَ يومَئذٍ واهيةٌ﴾ أي ضعيفةٌ لتشقُّقِها بعد أن كانت شديدَةً.

﴿والـملَكُ﴾ يعني الـملائِكَةُ ﴿على أرجائِها﴾ أي على جوانِبِ وأطرافِ السماءِ ﴿ويَحْمِلُ﴾ أي الـملائكةُ يحمِلونَ ﴿عَرشَ ربِّكَ فوقهُم﴾ أي فوق رءوسهم، وقيل إن حملةَ العرشِ فوقَ الـملائِكَةِ الذين في السماء على أرجائِها ﴿يومئذٍ﴾ أي يومَ القيامَةِ ﴿ثـمانيةٌ﴾ أي مِنَ الـملائِكَةِ واليومَ أي في الدنيا يحمِلُهُ أربعةٌ مِنَ الـملائِكَةِ، وإنـما يكونونَ ثـمانِيَة يومَ القيامَةِ إظهارًا لعظيـم ذلك اليوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلـم في بيان صفَةِ حملة العرض (أُذِنَ لي أن أُحدِثَ عن ملك من ملائكَةِ اللهِ من حملَةِ العرشِ، إن ما بين شحمَةِ أذنِهِ إلى عاتقِهِ مسيرةُ سبعُمائة عام) رواه أبو داود [1]، قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ما نصه [2] إسناده على شرط الصحيح. اهـ

﴿يومَئِذٍ تُعرَضون﴾ على الله للحساب وليس ذلك عرضًا يعلمُ اللهُ به ما لـم يكن عالـما به بل معناهُ الحسابُ وتقريرُ الأعمالِ عليهم للـمُـجازاة ﴿لا تَخْفى مِنكُم خافيةٌ﴾ فهو عالـمٌ بكلِ شيءٍ من أعمالكم، وقرأ حمزة والكسائي وخلف (لا يخفى) بالياء.

﴿فأمَّا﴾ أما حرف تفصيلٍ فصّلَ بها ما وقع في يوم العرض ﴿مَنْ أوتِيَ﴾ أي أُعطي ﴿كِتابهُ﴾ أي كتابَ أعماله ﴿بيـمينِهِ﴾ وإعطاءُ الكتابِ باليـمينِ دليلٌ على النجاةِ ﴿فيقولُ﴾ الـمؤمِنُ خطابًا لجماعتِهِ لـما سُرَّ به ﴿هاؤُمُ﴾ أي خُذوا، وقيلَ تعالَوْا ﴿اقرءُوا كِتابيَهْ﴾ والـمعنى أنه لـما بلغَ الغايَةَ في السرورِ وعلمَ أنه من الناجين بإعطاءِ كتابِه بيـمينهِ أحبَّ أن يُظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا له.

﴿إنِّي ظننتُ﴾ أي علـمتُ وأيقنتُ في الدنيا، قال أبو حيان [3] ﴿إني ظننتُ﴾ أي أيقنتُ، ولو كان ظنًا فيه تجويز لكان كفرًا. اهـ، فُسر الظن هنا بـمعنى اليقينِ لأنه لو أُبقِيَ على أصله أي بـمعنى الشكِّ والترددِ لكان الـمعنى أنه ظنَّ أي شك هل يحاسَبُ في الآخرَةِ أم لا، والاعتقادُ بالبعثِ والحسابِ من جملة العقائد الدينيةِ التي يجبُ الإيـمانُ بها، والشك فيهما كفر، والإيـمانُ لا يحصل بالشك والظنِ بل لا بد للـمؤمِن أن يتيقنَ بحقية البعث والحسابِ، فيكون معنى الآيةِ إني علـمتُ وتيقنتُ في الدنيا أن اللهَ تعالى يبعثُني و﴿أنِّي مُلاقٍ﴾ أي ثابِتٌ لي ثباتًا لا ينفكُّ أني لاقٍ ﴿حِسابيه﴾ في الآخرة ولـم أنكر البعث.

﴿فهُوَ﴾ أي الذي أُعطيَ كتابَهُ بيـَمينِهِ ﴿في عيشةٍ﴾ أي في حالةٍ من العيش ﴿راضيةٍ﴾ يعني ذات رضا أي رضي بها صاحبها، وقيل عيشةٍ مرضيةٍ وذلك بأنه لقي الثوابَ وأمِنَ من العقاب.

روى مسلـم [4] أن رسول الله صلى الله عليه وسلـم قال (إنّ لكم أن تصِحوا فلا تَسقَموا أبدًا، وإنّ لكم أن تـحْيَوْا فلا تـموتوا أبدًا، وإنّ لكم أن تَشِبوا فلا تهرموا أبدًا، وإنّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا).

﴿في جنَّةٍ عليةٍ﴾ مكانًا فهي فوق السمواتِ السبعِ، وعاليةٍ في الدرجَةِ والشرفِ والأبنية.

روى البخاري [5] أن رسول الله صلى الله عليه وسلـم قال (إنّ في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها) وقال أيضًا (إنّ للـمؤمن في الجنة لخيـمة من لؤلؤة واحدة مـجوّفة طولها ستون ميلاً) رواه مسلـم [6] وقال أيضًا (إنّ في الجنة مائة درجة أعدّها الله للـمـجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتُم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة) رواه البخاري [7] .

﴿قُطُوفُها﴾ أي ما يُقطفُ من ثـمارِ الجنَّةِ ﴿دانيةٌ﴾ أي قريبَةٌ لـمن يتناوَلُـها قائِمًا أو قاعِدًا أو نائمًا على السريرٍ انقادَت له وكذا إن أرادَ أن تدنو إلى فِيْهِ أي فمه دنت لا يـمنعُهُ من ثَـمَرِها بُعْدٌ، ويقال لهم ﴿كُلُوا واشربوا﴾ أمر امتنانٍ لا تكليفٍ أي يقال لهم ذلك إنعامًا وإحسانًا وامتنانًا وتفضيلاً عليهم فإن الآخرةَ ليسَت بدارِ تكليفٍ ﴿هَنيئًا﴾ أي لا تكديرٍ فيهِ ولا تنغيصٍ لا تَتَأذَوْنَ بـما تأكلونَ ولا بـما تشربونَ في الجنةِ أكلاً طيبًا لذيذًا شهيًا مع البعدِ عن كلِّ أذى، ولا تحتاجونَ مِن أكلِ ذلك إلى غائِطٍ ولا بول، ولا بصاقَ هناكَ ولا مخاطَ ولا وَهَنَ ولا صداعَ ﴿بـما أسْلَفتُم﴾ أي بـما قدمتُم لآخرتكم من الأعمال الصالحة ﴿في الأيامِ الخاليةِ﴾ أي في أيام الدنيا التي خَلت فمَضَت واستَرَحتُم من تعبها.

﴿وأمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابهُ﴾ أي أعطي كتابَ أعمالِهِ ﴿بِشمالِهِ فيَقولُ﴾ لِـما يَرى من سوءِ عاقِبَتِهِ التي كُشِفَ له عنها الغِطاءَ ﴿يا ليتني لـم أوتَ كِتابيه﴾ أي تـمنى أنه لـم يُؤْتَ كتابه لـما يرى فيه من قبائِحِ أفعاله.  روى ابن حبان [8] عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلـم أنه قال (يُدْعى أَحدُهم فيُعطى كتابَه بيـمينِه ويُـمَدُّ له في جسمِهِ ستونَ ذراعًا ويبيضُ وجهُه ويُجعلُ على رأسه تاجٌ من لؤلؤٍ يتلألأ قال فينطلقُ إلى أصحابه فيرونَهُ من بعيدٍ فيقولون: اللهم بارك لنا في هذا حتى يأتِيَهُم فيقول: أبشروا فإن لكلِّ رجلٍ منكم مثلَ هذا، وأما الكافِرُ فيعطى كتابِهِ بشمالهِ مُسودًا وجهُهُ ويزادُ في جسمهِ ستون ذراعًا على صورة ءادم ويَلبَسُ تاجًا من نار فيراهُ أصحابُه فيقولون اللهم اخزِهِ فيقول أبعدكم اللهُ فإن لكل واحدٍ منكم مثل هذا).

﴿ولـم أدرِ ما حِسابِيَه﴾ أي وتـمنى أنه لـم يدر حسابَهُ لأنه لا حاصِلَ له في ذلك الحسابِ ولا طائِلَ إذ كلُّهُ عليه لا لهُ.

﴿يا ليتَها﴾ أي الـموتَةَ التي مِتُّها في الدنيا، فإنه تـمنى أنه لـم يبعَث للحسابِ ﴿كانتِ القاضيةَ﴾ أي القاطِعةَ للحياة ولـم أَحْيَ بعدَها فلـم أُبعث ولـم أعذب، فقد تـمنى الـموتَ ولـم يكن شيء عندَهُ أكرَهَ منه إليه في الدنيا لأنه رأى تلك الحالَةَ أشنعَ وأمرّ مـما ذاقَهُ من الـموت.
قال البخاري ﴿القاضِيَةَ﴾ الـموتَةُ الأولى التي متُّها، لـم أَحْيَ بعدها.

روى مسلـم [9] في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلـم أنه قال (يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى لأَهونَ أهلِ النارِ عذابًا لو كانت لكَ الدنيا وما فيها أكنت مُفتديًا بها؟ فيقولُ نعم، فيقول قد أردتُ منك أهونَ من هذا وأنت في صُلبِ ءادَمَ أن لا تُشرِك فأبَيتَ إلا الشرك).

﴿ما أغنى عنِّي ماليَه﴾ يعني أنه لـم يدفع عنه ماله الذي كان يـملِكُه في الدنيا من عذاب الله شيئًا، ويجوز أن يكونَ استِفهامًا وبّخَ به نفسَهُ وقرَّرَها عليه، قاله أبو حيان.

﴿هَلَكَ عنِّي سُلطانِيَه﴾ يعني ضَلت عني كلُّ بينَةٍ فلم تغنِ عني شيئًا وبطَلَت حُجتي التي كنت أحتَجُّ بها في الدنيا، وقيل زالَ عني ملكي وقُوتي.

﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أي يقولُ اللهُ تعالى لخزنَةِ جَهنم خذوهُ واجمعوا يدَيهِ إلى عُنُقِهِ مُقيّدًا بالأغلالِ ﴿ثـم الجحيـم﴾ أي نارَ جهنم ﴿صَلُّوهُ﴾ أي ادخلوهُ واغمُروه فيها ﴿ثـم في سِلسِلَةٍ﴾ وهي حِلَقٌ منتَظِمَةٌ كل حلقَةٍ منها في حلقة، وهذه السلسلة عظيـمَةٌ جدًا لأنها إذا طالت كان الإرهابُ أَشَدُّ ﴿ذَرْعُها﴾ أي قياسُها ومقدارُ طولِها ﴿سبعونَ ذِراعًا﴾ اللهُ أعلـمُ بأي ذراعٍ هي ﴿فاسْلُكوهُ﴾ أي أدخلوه، والظاهر أنهم يدخِلونَهُ في السلسِلَةِ ولطولها تلتوي عليه من جميع جهاته فيبقى داخلاً فيها مضغوطًا حتى تَعُمَّهُ، وقيل: تدخُلُ في دبره وتخرجُ من مِنخَرِهِ، وقيل تدخل في فيهِ وتخرجُ من دبُرِهِ.
أخرج الترمذي [10] في جامعه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلـم (لو أن رُضَاضةً مثل هذه، وأشار إلى مثلَ الجُمـجمة، أُرسِلَت من السماءِ إلى الأرض وهي مسيرَةُ خمسِمائة سنة لبلغت الأرض قبلَ الليلِ، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفًا الليلَ والنهارَ قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها) قال الترمذي إسناده حسن.

ثـم ذكر اللهُ تعالى سببَ عذابِ الكافرِ فقال ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤمِنُ باللهِ العظيمِ﴾ أي لا يؤمِنُ ولا يصدق بالله الذي أمر عبادَهُ بالإيـمان به وترك عبادَةِ الأوثان والأصنام، فمن تركَ أعظمَ حقوقِ اللهِ تعالى على عبادِهِ وهو توحيدُه تعالى وأن لا يشرك به شيء استحق العذابَ الأبديَّ السرمدي الذي لا ينقطع في الآخرة لأن الإشراكَ باللهِ هو أكبرُ ذنبٍ يقترفُهُ العبدُ وهو الذنب الذي لا يغفِرُهُ اللهُ لـمن مات عليه ويغفِرُ ما دونَ ذلك لـمن يشاء كما قال اللهُ تعالى في القرءانِ الكريـمِ ﴿إنَّ اللهَ لا يغفرُ أن يُشرَكَ بهِ ويغفرُ ما دونَ ذلكَ لـمن يشاءُ﴾ سورة النساء، ﴿العظيـمِ﴾ أي عظيمِ الشأن منزهٌ عن صفاتِ الأجسامِ فاللهُ تعالى أعظمُ قدرًا من كل عظيمٍ.

﴿ولا يَحُضُّ﴾ أي هذا الشقي الذي أوتي كتابَهُ بشمالِهِ كان في الدنيا لا يحثُّ ولا يُـحَرِّضُ نفسَه ولا غيرَها ﴿على طعامِ﴾ أي إطعامِ ﴿الـمسكينِ﴾ وفي هذه الآية دَليلٌ على تعظيمِ الجُرمِ في حرمانِ الـمساكين.
قال العلـماء: دلت الآيةُ على أن الكفارَ مُخاطبونَ بفروعِ الشريعَةِ على معنى أنهم يعاقبونَ على تركِ الصلاةِ والزكاةِ ونحوِ ذلك وعدمِ الانتهاءِ من الفواحشِ والـمنكرات لا على معنى أنهم يطالبونَ بأداءِ العباداتِ حال كفرِهم لأنَّ العبادَةَ لا تَصِحُّ من كافرٍ.

﴿فليسَ لهُ اليومَ﴾ أي ليس له يوم القيامة ﴿هَهُنا حميـم﴾ أي قريبٌ يدفعُ عنه عذابَ اللهِ تعالى ولا من يشفَعُ له ويغيثُهُ مـما هو فيه من البلاء.

﴿ولا طعامٌ﴾ أي ليس له طعامٌ يَنتَفِعُ به ﴿إلا مِن غِسلينَ﴾ وهو ما يَسيلُ من أبدانِ الكفارِ منَ الدمِ والصديدِ وهو الدم الـمختلطُ بـماءٍ منَ الجرحِ ونحوه، وقيل الغسلين شَجَرٌ يأكلُهُ أهلُ النارِ ﴿لا يأكلُهُ إلا الخاطِئونَ﴾ أي الكافرون.

﴿فَلا أُقْسِمُ بِـمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (39)﴾ أي أقسمُ بـما ترَوْنَه وما لا ترونه، وقيل (أقسَمَ بالدنيا والآخرة)، وقيل ﴿لا﴾ رد لكلامِ الـمشركينَ كأنه قال ليس الأمرُ كما يقولُ الـمشركونَ ثـم، قال تعالى ﴿أُقسِمُ﴾ وقيل ﴿لا﴾ هنا نافِيَةٌ للقسَمِ على معنى أنه لا يُحتاج إليه لوضوحِ الحقِّ فيه كأنه قال لا أقسمُ على أن القرءانَ قولُ رسولٍ كريـمٍ فكأنه لوضوحِهِ استَغنى عن القَسَم.

﴿إنَّهُ﴾ يعني هذا القرءان ﴿لَقَولُ رسولٍ كريـم﴾ وهو جبريل، وليس القرءانُ من تأليفِ الرسولِ صلى الله عليه وسلـم وإنـما هو وحيٌ أوحاهُ اللهُ إليه.

فائدة:
قال أهلُ الحقِّ: كلامُ اللهِ تعالى الذي هو صفَةُ ذاتِهِ أزليٌّ أبديٌّ لا يُشبِهُ كلام خلقِه، فليس هو بحرفٍ ولا صوتٍ ولا لغةٍ، واللفظُ الـمنزلُ على سيدِنا محمدٍ باللغَةِ العربِيةِ هو عبارَةٌ عن هذا الكلامِ الذاتيّ والآيَةُ تدلُّ على ذلك، فلو كانَ اللفظُ الـمنزلُ على سيدنا محمدٍ هو عينُ كلامِ اللهِ تعالى لـما قال ربنا تعالى ﴿إنَّهُ لقولُ رسولٍ كريـم﴾.

﴿وما هُوَ﴾ يعني هذا القرءان ﴿بقولِ شاعرٍ﴾ كما تدعونَ ولا هو من ضُروبِ الشعرِ ولا تركيبِه، فقد نفى الله تعالى أن يكونَ القرءانُ قولَ رجلٍ شاعرٍ، والشاعرُ هو الذي يأتي بكلام مقفى موزونٍ بقصدِ الوزن ﴿قليلاً ما تُؤمنون﴾ قال أبو حيان [11] أي تؤمنونَ إيـمانًا قليلا أو زمانًا قليلا، وكذا التقدير في ﴿قليلاً ما تذَكَّرون﴾ والقلةُ هو إقرارهم إذا سُئلوا مَن خلقَهم قالوا الله اهـ وقيل أرادَ بالقليلِ عدَم إيـمانهم أصلاً والـمعنى أنكم لا تصدقونَ بأنَّ القرءانَ مِن عندِ اللهِ تعالى، وقرأ ابن كثير وابنُ عامِر بخلف عن ابن ذكوان ويعقوب ﴿يؤمنون﴾ و﴿يذكرون﴾ بالياء فيهما مع تشديد الذال.

﴿ولا﴾ أي وليس القرءان ﴿بقولِ كاهِنٍ قليلاً ما تَذَكَّرونَ﴾ أي ليسَ بقولِ رجلٍ كاهن كما تدعونَ ولا هو من جنسِ الكهانَةِ لأنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلـم ليس بكاهِن، فالكاهِنُ من تأتيهِ الشياطين ويلقونَ إليه ما يسمعونَ من أخبارِ الـملائِكَةِ سكانِ السمواتِ فيخبرُ الناسَ بـما سـمِعَهُ منهم، وطريقُهُ عليه الصلاة والسلام منافيةٌ لطريقِ الكاهِنِ من حيثُ إن ما يتلوهُ من الكلامِ مشتملٌ على ذمِّ الشياطينِ وشَتمِهم فكيف يـمكن أن يكونَ ذلك بإلقاءِ الشياطينِ إليه فإنهم لا يُلقون فيه ذمَّهُم وشَتمَهُم لا سيـما على من يلعنُهُم ويطعَنُ فيهم، وكذا معاني ما بلّغه عليه الصلاة والسلامُ منافيةٌ لـمعاني أقوالِ الكهنَةِ فإنهم لا يدعونَ إلى تهذيب الأخلاق وتصحيح العقائد والأعمالِ الـمتعلقة بالـمبدإ والـمعادِ بخلافِ معاني أقوالهِ عليه الصلاة والسلام.

﴿تَنزيلٌ﴾ أي هو تنزيلٌ يعني القرءان ﴿من ربِّ العالـمين﴾ وذلك أنه لـما قال ﴿إنَّهُ لقولُ رسولٍ كريـم﴾ أتبعه بقولِه ﴿تنزيلٌ من ربِّ العالـمين﴾ ليزولَ هذا الإشكال حتى لا يُظنَّ أن هذا تركيبُ جبريلَ بل إن القرءانَ نزلَ به جبريلُ عليه السلام على سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلـم.

﴿ولوْ تَقَوَّلَ بعضَ الأوقاويلِ﴾ أي الباطِلَةِ، والأقاويلُ جمعُ الجمعِ وهو أقوال، وأقوالُ جمعُ قولٍ، وسـميت الأقوالُ الـمتقولة أقاويلَ تصغيرًا لها وتحقيرًا.
وقال أبو حيان [12] الـمعنى ولو تقوّلَ متقولٌ ولا يكونُ الضمير في تقوَّلَ عائدًا على الرسول صلى الله عليه وسلـم لاستحالة وقوعِ ذلك منه، فنحن نـمنعُ أن يكونَ ذلك على سبيلِ الفرضِ في حقِهِ عليه الصلاة والسلام. اهـ

﴿لأخَذْنا مِنهُ باليـمين﴾ أي لأخذنا بيده التي هي اليـمين على جهة الإذلال والصَّغارِ كما يقولُ السلطانُ إذا أرادَ عقوبَةَ رجلٍ يا غلامُ خذ بيدِهِ وافعَل كذا، وقيل لَنِلنا منه عقابه بقوة منا، وقيل: لنَزَعنا منه قوته.

﴿ثـم لقَطَعنا منهُ الوتين﴾ قال البخاري وقال ابن عباس الوتين نِيَاطُ القلب، وهو عرق يتعلق به القلب يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبُه، والـمعنى لو تقوّل علينا لأذهبنا حياته معجلاً.

﴿فما مِنكُم من أحدٍ عنهُ لَحاجزينَ﴾ أي أنه لا يتكلفُ الكذبَ لاجلكم مع علـمه أنه لو تكلف ذلك لعاقبناهُ ثـم لـم يقدر على دفعِ عقوبَتِنا عنه أحد، وقال أبو حيان [13] الضميرُ في ﴿عنه﴾ الظاهر أنه يعودُ على الذي تقوَّل ويجوزُ أن يعودَ على القتل أي لا يقدر أحدٌ منكم أن يحجُزَهُ عن ذلك ويدفَعُهُ عنه. اهـ

﴿وإنَّهُ﴾ يعني القرءان ﴿لَتَذكِرةٌ﴾ يعني عظة ﴿للـمتَّقينَ﴾ وهم الذينَ يتقونَ عقابَ اللهِ بأداءِ فرائِضِهِ واجتنابِ معاصيه.

﴿وإنَّا لنعلـم أنَّ مِنكُم﴾ أيها الناس ﴿مُكَذِّبينَ﴾ بالقرءان، وهذا وعيدٌ لـمن كذبَ بالقرءان، وفي الآية دليلٌ على أن اللهَ علِمَ ما كان وما يكونُ وما لا يكون أن لو كان كيفَ كان يكون.

﴿وإنَّهُ﴾ أي القرءان ﴿لحَسرةٌ﴾ أي ندامة ﴿على الكافرينَ﴾ أي يومَ القيامَةِ، والـمعنى أنهم يندمون على ترك الإيـمانِ به لـما يَرَوْنَ من ثوابِ مَن ءامن به.

﴿وإنَّهُ﴾ أي القرءان ﴿لحقُّ اليقينِ﴾ لا شكَّ فيه أنه من عندِ اللهِ ليسَ مِن تأليفِ محمدٍ ولا جبريل عليهِما السلام وفيه الحقُّ والهدى والنور.

﴿فسَبِّحْ باسمِ ربِّكَ العظيـم﴾ أي نزِّهِ اللهَ عن النقائص والسوء وكلِّ ما لا يليق به واشكره على أن جعلكَ أهلاً لإيحائه إليك.

وفي هذه الآية دليل على أن الـمؤمن مأمور بتنزيه خالقه عن صفات الـمخلوقين من الجهل والعجز والـمكانِ والجسمية والكمية أي الحجم، قال الإمامُ السلفي أبو جعفر الطحاوي (وتعالى (أي الله) عن الحدودِ والغاياتِ والأركان والأعضاء والأدواتِ لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائر الـمبتدعات)، فالله تعالى ليس له حدٌّ أي حجم كبير ولا حجمٌ صغير لأن كل ذلك من صفاتِ الـمخلوقينَ واللهُ تعالى منزَّهٌ عن ذلكَ.

الهوامش:
[1]  أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية والـمعتزلة.
[2]  انظر فتح الباري [8/665].
[3]  انظر البحر الـمحيط [8/325].
[4]  أخرجه مسلـم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيـمها وأهلها، باب في دوام نعيـم أهل الجنة.
[5]  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار.
[6]  أخرجه مسلـم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيـمها وأهلها، باب في صفة خيام الجنة وما للـمؤمنين فيها من الأهلين.
[7]  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب درجات الـمـجاهدين في سبيل الله.
[8]  أخرجه ابن حبان في صحيحه، انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان [9/222].
[9]  أخرجه مسلـم في صحيحه، كتاب صفات الـمنافقين وأحكامهم، باب طلب الكافر الفداء بـملء الأرض ذهبًا.
[10]  أخرجه الترمذي في سننه، كتاب صفة جهنم، بعد باب ما جاء في صفة طعام أهل النار.
[11]  البحر الـمحيط [8/328].
[12]  البحر الـمحيط [8/329].
[13]  البحر الـمحيط [8/329].

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *