حديث (وَالّذِى ‏نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسكِ…) الحديث

حديث (ما في السّموات مَوضِعُ أربَع أصابِع إلا وفيهِ مَلَكٌ قائِم أو راكِعٌ أو سَاجِد)
14 نوفمبر 2016
حديث (عليكم بقيام اللّيل فإنه دٓأْبُ الصالحين قبلٓكُم وقُربٓةٌ إلى ربِّكم ومٓكْفٓرٓةٌ للسيئات وٓمٓنْهاةٌ عن الإثم)
14 نوفمبر 2016

حديث (وَالّذِى ‏نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسكِ…) الحديث

روى البخاري عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال (وَالّذِى ‏نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسكِ، ‏لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفرَحُهُمَا إِذَا أَفطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ ‏بِصَومِهِ).‏

هذا الحديث فيه بشرى للصائمين أن عملهم فيه قربة عظيمة إلى الله ‏ولا سيما منهم من يقاسي مشقات العمل الحلال للقيام بالنفقات ‏الواجبة على الأهل والعيال، أو من كان نهارهم طويلاً كما هو ‏حاصل في بعض البلاد الشمالية، هؤلاء وأمثالهم أجرهم كبير عند ‏ربّهم.‏

وقوله عليه الصلاة والسلام (والذي نفس محمد بيده) أقسم على ذلك ‏تأكيداً، وقوله (لخلوف) بضم الخاء واللام وسكون الواو بعدها فاء، ‏والمراد به تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام.‏

وقوله (أطيب عند الله من ريح المسك) وفي ذلك أقوال للعلماء مع ‏اتفاقهم على أنه سبحانه وتعالى منزّه عن استطابة الروائح، إذ صفة ‏الشمّ وسائر الحواسّ الخمس من صفات المخلوق، فالله وصف نفسه ‏فقال (ولم يكن له كفواً أحد) أي لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شىء.‏

وقال الإمام الكبير المازري وهو من أئمة المالكية إن ذلك مجاز والمعنى أنه ‏أطيب عند الله من ريح المسك عندكم، أي أن أثر ذلك من الصيام ‏يقرّب إلى الله القرب المعنوي أكثر من تقريب المسك إليكم، وقيل ‏المراد أن ذلك فى حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر ‏مما يستطيبون ريح المسك.‏ وقيل المراد أن الله تعالى يجزيه فى الآخرة فتكون نكهته أطيب من ‏ريح المسك حكاه القاضي عياض.‏

وقال الداودى وجماعة إن المعنى أن الخلوف أكثر ثواباً من المسك ‏المستحبّ لمن حضر الجمعة ومجالس الذكر، ورجح النووي هذا ‏الأخير، وحاصل ذلك حمل معنى الطيب على القبول والرضا وليس ‏أن الله موصوف بالشم والعياذ بالله باتفاق العلماء حكاه ابن حجر في ‏شرح البخاري.‏

وقال البغوى معناه الثناء على الصائم والرضا بفعله، وبنحو ذلك ‏قال القدورى من الحنفية والداودي وابن العربي من المالكية وأبو ‏بكر بن السمعاني وغيره من الشافعية، جزموا كلهم بأنه عبارة عن ‏الرضا والقبول.‏

وما نقله ابن حجر العسقلاني من اتفاق العلماء على تنزيه الله عن ‏استطابة الروائح فهو من تنزيه الله تعالى عن حاسة الشم وسائر ‏الحواسّ لأن ذلك من صفات المخلوقين، وهذا إجماع أهل العلم كما ‏قال الإمام الطحاوي في عقيدته ونصه (ومن وصف الله بمعنى من ‏معاني البشر فقد كفر)، ولا شك أن الشمّ من صفات المخلوق، وأما ‏من وصف الله بالشم واللمس والقيام والقعود والحركة والسكون ‏والجلوس على العرش والثقل والخفّة فهؤلاء حكمهم في الشريعة ‏أنهم مشبهة لله بخلقه حكم عدد من العلماء بكفرهم وضلالهم، وهو ‏ما ذكره الإمام الكبير أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي ‏المتوفى سنة 429 للهجرة الشريفة في كتاب الفرق بين الفرق حيث ‏قال بعد ذكر المشبّهة وعدد من الفرق الضالة (فإنا (أي أهل السنة) ‏نكفّرهم ولا تجوز الصلاة عليهم عندنا (أي بعد وفاتهم) ولا الصلاة ‏خلفهم (في الصلوات المفروضات) أي لأن صلاتهم فاسدة ‏لافتقارهم إلى شرط أساس هو الإيمان بالله تعالى لأن من شبّه الله ‏بخلقه فهو لا يعرف الله تعالى)، وقد قال الغزالي (لا تصح ّ العبادة ‏إلا بعد معرفة المعبود).

ومن وصف الله بالشمّ واللمس مثلاً مما لا ‏يجوز على الله تعالى فهذا ما عرف اللائق بالله تعالى من التنزيه ‏المأخوذ من قوله تعالى (ليس كمثله شىء).‏

1 Comment

  1. يقول AdminMK:

    قال الله تعالى (ليس كمثلِه شىء) [سورة الشورى 11]، أي أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ففي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة، فلا يحتاج إلى مكان يحُل فيه ولا إلى جهة يتحيز فيها، بل الأمر كما قال سيدنا عليّ رضي الله عنه (كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان) رواه أبو منصور البغدادي.
    وفي هذه الآية دليلٌ لأهل السنة على مخالفة الله للحوادث، ومعْنى مُخالفةِ الله للحوادِثِ أنّه لا يُشْبِهُ المخْلُوقاتِ، وهذِه الصِّفةُ من الصِّفاتِ السّلْبِيّةِ الخمْسةِ أي التي تدُلُّ على نفْي ما لا يلِيْقُ بالله.

    والدّلِيْلُ العقْلِيُّ على ذلِك أنّهُ لو كان يُشْبِهُ شيْئًا مِنْ خلْقِه لجاز عليْهِ ما يجُوزُ على الخلْق مِن التّغيُّرِ والتّطوُّرِ، ولو جاز عليْهِ ذلِك لاحْتاج إلى منْ يُغيّرُهُ والمُحْتاجُ إلى غيْرِه لا يكُونُ إِلهًا، فثبت لهُ أنّهُ لا يُشْبِهُ شيئًا.

    والبُرْهانُ النّقْلِيُّ لِوُجُوْبِ مُخالفتِهِ تعالى لِلْحوادِثِ قوله تعالى (ليس كمثله شىء) وهُو أوْضحُ دلِيْلٍ نقْلِيّ في ذلِك جاء في القُرءانِ، لأنّ هذِهِ الآية تُفْهِمُ التّنْزِيْه الكُلِّيّ لأنّ الله تبارك وتعالى ذكر فِيْها لفْظ شىءٍ في سِياقِ النّفْي، والنّكِرةُ إِذا أُوْرِدت في سِياقِ النّفْي فهِي للشُّمُوْلِ، فالله تبارك وتعالى نفى بِهذِهِ الجُمْلةِ عنْ نفسِهِ مُشابهة الأجْرامِ والأجْسامِ والأعراضِ، فهُو تبارك وتعالى كما لا يُشْبِهُ ذوِي الأرواحِ مِنْ إِنسٍ وجِنّ وملائِكةٍ وغيْرِهِم، لا يُشْبِهُ الجماداتِ من الأجرامِ العُلْوِيّةِ والسُّفْلِيّةِ أيضًا، فالله تبارك وتعالى لم يُقيّد نفْي الشّبهِ عنْهُ بنوْعٍ منْ أنْواعِ الحوادِثِ، بل شمل نفْيُ مُشابهتِهِ لِكُلّ أفْرادِ الحادِثاتِ، ويشْملُ نفْيُ مُشابهةِ الله لخلْقِه تنْزِيْهه تعالى عن المكان والجهة والكميّة والكيْفِيّةِ، فالكمّيّةُ هِي مِقْدارُ الجِرمِ، فهُو تبارك وتعالى ليْس كالجِرمِ الذي يدْخُلُهُ المِقْدارُ والمِساحةُ والحدُّ، فهُو ليْس بِمحْدُودٍ ذِي مِقْدارٍ ومسافةٍ.

    فلو كان الله فوق العرشِ بذاتِهِ كما يقولُ المشبِّهةُ لكان محاذيًا للعرشِ، ومِنْ ضرورةِ المُحاذِي أنْ يكون أكبر مِن المحاذى أو أصغر أو مثله، وأنّ هذا ومثله إنما يكونُ في الأجسامِ التي تقبلُ المِقدار والمساحة والحدّ، وهذا مُحالٌ على الله تعالى، وما أدّى إلى المُحالِ فهو محالٌ، وبطل قولُهُم إن الله متحيّزٌ فوق العرشِ بذاتهِ. ومنْ قال في الله تعالى إِنّ لهُ حدًّا فقدْ شبّههُ بخلْقِهِ لأنّ ذلِك يُنافي الألُوهِيّة، والله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومِقْدارٍ لاحتاج إِلى منْ جعلهُ بذلِك الحدّ والمِقْدارِ كما تحتاجُ الأجْرامُ إِلى منْ جعلها بحدُوْدِها ومقادِيْرِها لأنّ الشّىء لا يخْلُقُ نفْسه بمِقْدارِه، فالله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومِقْدارٍ كالأجْرامِ لاحْتاج إلى منْ جعلهُ بذلك الحدّ لأنّه لا يصِحُّ في العقْلِ أنْ يكُون هُو جعل نفْسه بذلِك الحدّ، والمُحْتاجُ إِلى غيْرِهِ لا يكُونُ إِلهًا، لأنّ مِنْ شرْطِ الإلهِ الاسْتِغْناء عنْ كُلّ شىءٍ.

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *