حديث (قُلِ اللَّهُمَّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا)
حديث (قُلِ اللَّهُمَّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا)
8 سبتمبر 2022
الصِّرَاطُ
الصِّرَاطُ
11 سبتمبر 2022

رد الإفتراءات على الفقيه المالكي ابن تومرت

رد الإفتراءات على الفقيه المالكي ابن تومرت

رد الإفتراءات على الفقيه المالكي ابن تومرت

محمد بن عبد الله بن وجليد بن يامصال المشهور بالمهدي بن تومرت، هو عالِم مالكيُّ المذهب أشعريُّ المُعتقد، أصله من هرغة إحدى قبائل المصامدة البربرية في السوس الأقصى، تعلم وحفظ القرآن في سن مبكرة وتمكن من تحصيل قدر كبير من العلوم والمعارف، بدأ رحلته العلمية من الأندلس، ، فقرأ بقرطبة على القاضي ابن حمدين، وكان له اعتناء بموطإ الإمام مالك وله تأليف معروف باسم محاذي الموطأ وهو اختصار لرواية ابن بُكَير، وقد عاين ابن تومرت في قرطبة حادثة انتقاد رجال الدين لبعض المواضع في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وشاهد كيف استطاع هؤلاء العلماء وعلى رأسهم ابن حمدين من استصدار أمر من الأمير علي بن يوسف بحرق هذا الكتاب في ميادين قرطبة، ثم ارتحل ابن تومرت بعد ذلك لمدينة المهدية وأخذ فيها عن الإِمام الكبير أبي عبد الله المازري، ويُذكر أن كتاب التمهيد للباقلاني كان يدرس في المهدية في القرن الخامس الهجري على يد ابن القديم شيخ القاضي ابن العربي رحمهما الله، ثم ذهب ابن تومرت للإسكندرية وهو ابن ثماني عشرة سنة وأخذ عن أبي بكر الطرطوشي ثم لبغداد وأخذ عن الإِمام الغزالي.

وابن تومرت ذكره محمد بن محمد بن عمر بن علي بن سالم مخلوف المتوفى 1360 هـجري في شجرة النور الزكية في طبقات المالكية.
وابن تومرت هو مؤسس دولة المُوحِّدين الَّتي كانت أعظمَ دولة عرَفها تاريخ تلك الدِّيار إذ جمعَت المَغْرِبَ الاسلامي كلَّه مع بلاد الأندلس تحت رايةٍ واحدةٍ وكان لها قَدَمٌ في الفتوحات وحماية ثغور المُسلمين.

عقيدة ابن تومرت:
كان ابن تومرت سنيا منزها لله تعالى فقد قال العلامة أبو عبد الله محمد بن عرفة الورغمي المالكي شيخ الاسلام بتونس وشيخ جامع الزيتونة وخطيبه في العهد الحفصي ورأس المالكية في زمانه ومجدد القرن الثامن في تفسيره المعروف بتفسير ابن عرفة في سورة الرحمان (وما أحسن قول الإمام المهدي (يعني ابن تومرت) في عقيدته حيث قال (لا يقالُ متى كانَ ولا أينَ كانَ ولا كيفَ، كان ولا مكان دبَّر الزمانَ لا يتقيَّدُ بالزمانِ ولا يتخصَّصُ بالمكان)) وقال في تفسير قول الله تعالى ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (الشورى 4) ما نصه (الْعَلِيُّ الذي لا يُدرَك كُنْهُه، فهو عبارة عن علوِّ المكانَة لا المكان، والعظمَةُ معنويةٌ لا حِسِّيةٌ فليس المراد كعِظَمِ الجِرْم).
وورد في كتاب أخبار المهدي بن تومرت وابتداء دولة الموحدية لأبي بكر الصنهاجي المكنى بالبيدق أن ابن تومرت قال (واشتغلوا بالتوحيد فإنه أساس دينكم حتى تنفوا عن الخالق التشبيه والتشريك والنقائص والآفاق والحدود والجهات ولا تجعلوه في مكان ولا في جهة فإنه تعالى موجود قبل الأمكنة والجهات، فمن جعله في جهة ومكان فقد جسمه ومن جسمه فقد جعله مخلوقا ومن جعله مخلوقا فهو كعابد وثن…فمن مات على هذا فهو مخلد في النار). انتهى
ولقد مدح عجوز المذهب المالكي ابن رشد الجد ابن تومرت في كتابه مناهج الأدلة في عقائد الملة فاغتاظ لذلك ابن تيمية الحراني وانبرى للرد عليه في كتابه درء التعارض فقال قال ابن رشد (وأما ما حصله الإمام المهدي من التصريح بنفي الجسمية فهو الواجب بحسب زمانه….ولما كانت خاصة الإمام المهدي رفع الاختلاف بين الناس أتى مقررا لنفي الجسمية عنه سبحانه كفر المثبت للجسمية وهو شيء جرى من فعله في الشرع في وقته (وبحسب الناس الذين وجد فيهم) مجرى التتميم والتبيين والله يختص بفضله من يشاء). انتهى
ثم شرع ابن تيمية بزعمه في الرد على ابن رشد الجد.
ويكفي ابن تومرت فضلًا دوام انتفاع المُسلمين بمتن عقيدته المُرشدة الَّتي لا زال المُسلمون يردِّدونها في مشارق الأرض ومغاربها منذ ما يزيد عن تسعة قرون، وهذه العقيدة قد أثنى عليها الحافظ صلاح الدِّين العلائيُّ وسمَّاها العقيدة المُرشدة ووافقه على ذلك الإمام تاج الدِّين السُّبكيُّ وقال في آخرها هذا آخر العقيدة وليس فيها ما ينكره سُنِّيٌّ. انتهى مِن الطَّبقات
وقد نسبَ العقيدةَ المرشدةَ إلى ابن تومرت كل من الذهبيُّ في أعلام النبلاء [ج 19/540-541] وعمر كحالة في معجم المؤلفين [ج 10/206] وابنُ كثيرٍ في تاريخِه [ج 12/231] والبرزليُّ في نوازلِه ج 6/366 وغيرُهم، وكان انتشار هذه العقيدة وشيوعها أولاً في المغرب الأقصى ثم في المغرب الأوسط ثم في إفريقية، فقد كانت العقيدة المرشدة معروفة بتونس متناولة فيها بالحفظ والدراسة وقد قام بشرحها الفقيه المالكي أبو عبد الله محمد بن خليل السكوني الأشعري، ومما يدل على عناية أهل تونس بالعقيدة المرشدة أن أبا القاسم البُرْزُلي أحد أئمة المالكية في المغرب (ت 844 هـ) ذكرها في نوازله وأورد نصها كاملاً، ثم شاعت في المشرق وبقيت أكثر من أربعة قرون يرددها المؤذنون في وقت التسبيح، وقد اهتم بتدريسها الإمام فخر الدين بن عساكر المتوفى سنة 620 هـجري، ففي طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي ج 5 ص 69 – 70 أن الشيخ فخر الدين ابن عساكر كان يقرىء بالقدس العقيدة المرشدة، وهذه العقيدة اشتهرت بين النَّاس بعقيدة ابن عساكر لكثرة تدريسه إيَّاها للنَّاس.
وقال الفقيه المغربي المالكي عبد الله بن عبد الصمد كنون الحسني الشهير بعبد الله كنون في كتابه جولات في الفكر الإسلامي بعد عرض مؤلفات المهدي بن تومرت وتخصيص الحديث عن المرشدة قائلاً (عقيدة المرشدة التي لقيت رواجاً كبيراً في حياته وبعد مماته، وتلقاها أئمة العلم بالقبول وحكموا عليه من خلالها بسلامة العقيدة وصحة المذهب ولا نشك أنها كانت من أول ما أملى من تآليفه ولقن أصحابه من العقيدة على مذهب الإمام الأشعري لأنها بمثابة المقدمة في هذا الصدد من حيث الاختصار وعدم الاحتواء على الأدلة العقلية التي لا يدركها العموم كما في عقيدة التوحيد ولأنها جاءت خالية من كل شبهة على ما كانت عليه دعوته). انتهى

الافتراءات المدسوسة على ابن تومرت:
مِن المعهود أنْ ينشأ لابن تومرت خصوم بسبب منهجيَّتِهِ الدِّينيَّة وللظُّروف السِّياسيَّة السائدة في تلك الحقبة، حيث إنَّه كان رجل حُكْم ودولة كُبرى لا زالت آثارها مستمرة إلى يومنا هذا في بلاد المغرب، وعليه فإنه لا ينبغي أنْ نأخذ تاريخ ابن تومرت ودولته عن لسان خصم سياسيٍّ لعدم ضمان إنصافه، فالخصم السياسيُّ يحتاج للطَّعن بخصمه مِن باب ترسيخ حُكمه وسدًّا لمنافذ وصول خصمِه إلى الحُكم، مِن هنا نشأ الافتراءُ على ابن تومرت في عدة مواضيع:
رميه بادعاء العصمة:
أشهر ما افتُرِيَ على ابن تومرت أنَّه ادَّعى المَهدويَّة الكُبرى المُبَشَّرَ بها على لسان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا يثبت هذا الادِّعاء على ابن تومرت وإنَّما هو أمر شائن نُسِبَ إليه في عهود ما بعد دولة المُوحِّدين أو ممَّن نسخوا عمَّا كُتِبَ في تلك العهود وإلَّا فلا أصل ثابت لهذا الإدعاء، وغاية ما يحتج به خصومه ما نسب إليه في كتاب أعز ما يطلب، ولا تصح نسبة هذا الكتاب لابن تومرت بيقين لأن كل نسخ هذا الكتاب متأخرة، وإن صح شىء من ذلك فإنه كان يعتبر نفسه من أتباع المهدي المنتظر وأحد جنوده، وكذلك ما قاله ابْنُ خَلِّكَان في وفيات الأعيان (وَقَدْ بَلَغَنِي فِيمَا يُقَالَ أَنَّ ابْنَ تُوْمرت أَخفَى رِجَالاً فِي قُبُوْر دَوَارِسَ، وَجَاءَ فِي جَمَاعَةٍ لِيُرِيَهُم آيَة، يَعْنِي فَصَاحَ أَيُّهَا الموتَى أَجيبُوا، فَأَجَابوهُ أَنْتَ المَهْدِيّ المَعْصُوْمُ، وَأَنْت وَأَنْت، ثُمَّ إِنَّهُ خَاف مِنِ انتشَارِ الحِيلَةِ، فَخسف فَوْقهُم القبور فماتوا وَبِكُلِّ حَالٍ، فَالرَّجُل مِنْ فُحُوْل العَالَمِ، رَام أمرًا، فتم له، وربط البربر بالعصمة، وَأَقْدَمَ عَلَى الدِّمَاء إِقدَامَ الخَوَارِج، وَوجد مَا قَدَّمَ). انتهى
فهو منقول بسند منقطع فلا يعول عليه في نسبة هذه الشناعات لابن تومرت.

رميه بادخال الأشعرية للمغرب بقوة السيف:
مما تم افتراءه على ابن تومرت أيضا أنه أدخل الأشعرية للمغرب الاسلامي بقوة الحديد والنار، ومما يبطل ذلك أنّ طريقة الأشاعرة قد ترسَّخت في المغرب الإسلامي قبل ظهور دولة الموحدين بكثيرٍ، فالعصرُ المرابطيُّ حَفَل بأعلامٍ كبار الأشاعرة الذين مهَّدوا لترسيم المذهب الأشعري واعتماده عند المغاربة، منهم أبو بكر محمد بن الحسن المرادي القيرواني المتوفى سنة 489 هـجري، وأبو الحجاج الضرير المتوفى سنة 520 هـجري والقاضي عياض اليحصبي صاحب الشفا والمدارك، وأبو طلحة اليابري المتوفى سنة 523 هجري صاحب المختصر في الأصول، وأبو عبد الله محمد بن مسلم المازري شارح الإرشاد لإمام الحرمين المتوفى سنة 530هـجري وغيرهم، ومِن هؤلاء الأعلام الأشاعرة مَنْ اتصل بالمرابطين ونال الحظوة والرفعة في بلاطهم بـمراكش منهم أبو الحجاج الضرير السرقسطي المتقِدم ذِكرُه آنفا، بل إن زارع بذرة الدولة المرابطية هو أحد كبار أئمة الأشاعرة بالقيروان وهو شيخ المالكية في عصره الإمام أبو عمران الفاسي المتوفى سنة 430 هـجري وهو الذي أرشد الزعيم الصنهاجي يحيى بن إبراهيم الجدالي إلى أحد تلامذته ببلاد السوس، وهو وجاج بن زلو اللمطي الذي انتدب تلميذه عبد الله بن ياسين الجزولي للخروج معهم إلى بلادهم في صحراء صنهاجة.
فالمذهب الأشعري كان مذهبا معتمدا عند المرابطين وما يدل على ذلك فتاوى ابن رشد الجد عندما سأله يوسف بن تاشفين عن طريقة الأشعري وعلماء المذهب كالباقلاني وابن فورك والباجي وغيرهم وما قوله في أناس اتهمومهم بالزندقة والكفر فكان جواب ابن رشد واضحاً في أن هؤلاء الائمة ائمة رشد وهدى وأنهم أنصار الشريعة والمدافعين عنها والذين أبطل شبهات الزائغين والمارقين والملاحدة وحكم بوجوب تأديب من يرميهم بالفسوق، بل إن أقدم المؤلفات العقدية للمرابطين تعود إلى زمن أبي بكر اللمتوني.
وما يُروى من مجازر اقترفها الموحدون في حق المرابطين فالأقرب أنها من عمل أتباع ابن تومرت الذين استباحوا من بعده دماء كل من لم يقر بسلطانهم فحاول خصومهم غمزهم والطعن بمعتقدهم.

رميه بتسمية المرابطين بالمجسمة:
ابن تومرت كان مجانبا للمجسمة ولكن هذا لا يعني اتهامه للمرابطين بالتجسيم والكفر وما نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء عن اليَسع بنُ حَزْم أنه قال سمَّى ابْنُ تُوْمرت المرَابطين بِالمُجَسِّمِين، وَمَا كَانَ أَهْلُ المَغْرِب يَدينُوْنَ إِلاَّ بِتَنْزِيه الله تَعَالَى عَمَّا لاَ يَجِبُ وَصفُهُ بِمَا يَجِبُ لَهُ، مَعَ تركِ خوضهِم عَمَّا تَقَصْر العُقُوْلُ عَنْ فَهمه…إِلَى أَنْ قَالَ فَكفَّرهُم ابْنُ تُوْمرت لِجهلهِم العَرض والجوهر، وأن من لم يعرف ذلك، لن يَعرفِ المَخْلُوْقَ مِنَ الخَالِق، وَبأَنَّ مَنْ لَمْ يهاجر إِلَيْهِ، وَيُقَاتِل مَعَهُ، فَإِنَّهُ حَلاَلُ الدَّم وَالحرِيْم، وَذَكَرَ أَن غضبَهُ للهِ وَقيَامَه حسبَةٌ). انتهى
فهذا النقل لا يثبت عن ابن تومرت، فاليسع بن عيسى بن حزم الغافقي الجياني صاحب كتاب المغرب في محاسن المغرب قال عنه الحافظ بن حجر في لسان الميزان (قد تُكلم في نقله ويظهر على عبارته مجازفة) وقال الزركلي في الأعلام (رآه ابن الجزري وقال فيه أوهام). انتهى

اتهامه بقتل القاضي عياض:
مما تم افتراءه أيضا على ابن تومرت هو خبر وفاة القاضي عياض رحمَه الله، فانَّ ابن تومرت بشخصه بريءٌ كلَّ البراءة مِن قتل القاضي عياض وذلك أنَّ وفاة ابن تومرت سبقت وفاة القاضي بنحو عشرين سنة فمات الأَوَّل سنة 524 هجري بينما مات الثَّاني سنة 544 هجري، فلا يَهُوْلَنَّكَ كلام مَن يهرِف بما لا يعرِف، وأما يزعمه البعض مِن أنَّ مُحمَّدَ ابن القاضي عياض هو الذي أخبر عن مقتل والدِهِ ومكان دفنه فهو محض كذب لأنه لم يُعرف قبر القاضي عياض إلَّا بعد نحو مائة وسبعين سنة أي سنة 712 هجري ولو كان مُحمَّد ابن القاضي قد أخبر عن مكان دفن أبيه لَمَا احتاجوا أكثر مِن قرن ونصف مِن الزَّمن ليعرفوا مكان القبر أين هو، وغاية ما يمكن التيقن منه هو خبر خروج القاضي عياض على دولة المُوحِّدين بعد أنْ كان دخل في طاعتها شأنَ أهل مدينتِه سبتة ثمَّ عودة الكُلِّ إلى طاعة الدَّولة.
هنا قد يحصل أنْ يُقال بأنَّ القاضي عياض وحدَه لم يعد لطاعة الدَّولة فتمَّ تغريبُه مِن سبتة إلى مرَّاكش عاصمة المُوحِّدين وربَّما اختار ذلك طواعيةً، أما خبر قتلِهِ على يدِ عبدِ المُؤمنِ خليفة ابن تومرت والرَّئيس مِن بعدِه فهو كذب، حيث قالوا أنَّ القاضي تم قتله لأنه رفض تصنيف كتاب يذكر فيه أنَّ ابن تومرت هو المهديُّ المُنتظر، لذلك نجزم أن الدَّسائس كثيرة وبعضها لا يحتاج كثير نظر لإدراك وضعِها على ألسنة الكذَّابين مِن ذلك ما يزعمونه مِن أنَّ المُوحِّدين دخلوا مرَّاكش في حربهم ضد دولة المُرابطين الَّتي كانت تحكم المغرب فذبحوا جميع مَن بها من الرِّجال، ولا نعلم ما حاجة المُوحِّدين بكُلِّ تلك الدِّماء في طلب الحُكم.
وقد يكون كتاب المُعجِب في تلخيص أخبار المغرب للمُؤرِّخ المغربيِّ عبدالواحد المراكشيِّ (581 هـ / 647 هـ) أصلٌ لِمَا تناقله مَنْ بعدَه مِن المُؤرِّخين في الطَّعن بابن تومرت ونسبة الموبقات إليه، فإنْ صحَّ ذلك فقد انهدم أساس الطَّعن بابن تومرت مِن وجوه مُتعدِّدة، فمن ذلك:
يُقال إنَّ عبدالواحد المراكشيَّ خرج مِن دياره سنة 613 هجري إلى مصر وغيرها لأسباب سياسيَّة، فكيف يُؤخذ بشهادته فيمن يخاصمُه ولا بيِّنة في ذلك كلِّه إلَّا الادِّعاء؟ و بالتالي فان الطَّعن المُتكرِّر بابن تومرت في بعض كتب التَّأريخ كان بسياق واحد وحروف موحَّدة ممَّا يُوهم النَّسخ بالحروف مِن مصدر واحد وهو كتاب المعجب، ويُقال إنَّ عبد الواحد وضع كتابه المُعجِب في تلخيص أخبار المغرب سنة 621 هجري نزولًا عند طلب وزيرٍ مِن بطانة الخليفة العبَّاسيِّ في بغداد (أبي العبَّاس النَّاصر لدين الله أحمد بن الحسن (553 ه / 622 ه)) ومِن المُحتمل أنْ يعثُر الباحث في علاقة خلافة بغداد بدولة المُوحِّدين على ما يزيد في قوَّة هذه الفِقْرة مِن مقالنا لا سيَّما إنْ علِمنا أنَّ النَّاصر العباسيَّ كان ذا مَكر وحيلة وفطنة ودهاء وأنَّه حاول إعادة الخلافة العبَّاسيَّة إلى ما كانت عليه في زهوها عن طريق كسر الدُّوَل المُستقِلَّة في زوايا الأرض وكيف مدَّد سيادته إلى بلاد ما بين النَّهرين وبلاد فارس وغيرها وكيف كان يطلب ولاء السَّلاطين والمُلوك حتَّى خُطِبَ له في الأندلس الَّتي كانت تحت حُكم المُوحِّدين وهذه ملاحظة قويَّة ينبغي التَّوقُّف عندها مليًّا.
قال ابن النَّجار (دانت السَّلاطين للنَّاصر ودخل في طاعته مَن كان مِن المُخالفين وذُلِّلت له العتاة والطُّغاة وانقهرت بسيفه الجبابرة واندحض أعداؤه وكثر أنصاره وفتح البلاد العديدة وملك مِن الممالك ما لم يملْكْه أحد ممَّن تقدَّمه مِن الخلفاء والملوك وخُطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصِّين).
وقال ابن واصل (كان النَّاصر شهمًا شُجاعًا ذا فكرة صائبة وعقل رصين ومكر ودهاء وله أصحاب أخبار في العراق وسائر الأطراف يطالعونه بجزئيَّات الأمور، ثمَّ قال وكان مع ذلك رديء السِّيرة في الرَّعيَّة مائلًا للظُّلم والعسف ففارق أهل البلاد بلادهم وأخذ أموالهم وأملاكهم وكان يفعل أفعالًا متضادَّة وكان يتشيَّع ويميل إلى مذهب الإماميَّة بخلاف آبائه وكان النَّاصر إذا أطعم أشبع وإذا ضرب أوجع وله مواطن يعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر). انتهى
وقال الذَّهبيُّ (ولم يَلِ الخلافة أحد أطول منه مدَّة فإنَّه أقام فيها 47 سنة، ولم تزل مدَّة حياته في عزٍّ وجلالة وقمع الأعداء واستظهر على الملوك ولم يجد ضيمًا ولا خرج عليه خارجيٌّ إلَّا قمعه ولا مُخالف إلَّا دفعه وكلُّ مَن أضمر له سوءًا رماه اللهُ بالخذلانِ وكانت له حيَل لطيفة ومكائد غامضة وخدَع لا يَفطن لها أحد يوقع الصَّداقة بين ملوك مُتعادين وهم لا يشعرون ويوقع العداوة بين ملوك متَّفقين وهم لا يفطنون) انتهى، أقول وبايعة كلُّ سلاطين المُسلمين وأدَّوْا له الطَّاعة ومنهم صلاح الدِّين الأيُّوبيُّ رحمه الله). انتهى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *