خطورة التسرع في التكفير (منهج التكفير عند أدعياء السلفية)
26 أبريل 2020
يَجب التَّحْذِيرُ مِمَّا في بَعْضِ الْكُتُبِ الْمَنْسُوبَةِ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ
2 مايو 2020

خطورة التسرع في التكفير وتبرئة الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه

قال الله تعالى (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

خطورة التسرع في التكفير وتبرئة الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه

قال الله تعالى في القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)) سورة الأحزاب آية 70 و71.

لقد سبق وتكلمنا في المقال السابق عن خطورة التسرع في التكفير وكيف انتهجت الجماعات المتطرفة طريق التكفير الشمولي، ابتداء من الخوارج أول فرقة شذت في الاعتقاد عمَّا جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه أصحابه، وصولًا إلى جماعات اليوم من أدعياء السلفية وحزب الإخوان وفروعه وغيرهم، وذلك نصيحةً للأمة وتنبيهًا للناس، وقد كان خطر لي أن لا أطيل الكلام في هذا الموضوع، بل أكتفي بما مرَّ لأنه كافٍ في الاستدلال على أحوال هذه الجماعات كما يُستدل بالعنوان على المَضامين، ولكن لفت نظري شىء غريب عجيب لا ينبغي السكوت عنه، بل لا يسعني سوى أن أبينه للناس ليعرف الناس حال هذه الجماعات أكثر فأكثر، ألا وهو تكفير أدعياء السلفية للإمام الأكبر أبي حنيفة رضي الله عنه كما صرّح بذلك المدعو ناصر الدين الألباني في تعليقه على مختصر صحيح مسلم، وتابعه على ذلك حُثالة الأغبياء الرَعاع من أدعياء السلفية، وبلغت الوقاحة بأحد دعاتهم واسمه صالح العقيلي أن قال في تسجيل له منشور ومشهور ومتداول على وسائل التواصل (كل من دافع وذبَّ عن أبي حنيفة هذا الخبيث فهو جهميٌ خبيث قاتله الله)، ثم أخذ الكتاب المسمى السنة المنسوب لعبد الله بن الإمام أحمد وهو غير ثابت عنه، بل فيه ما يجب أن يُحذر، كما بيّن ذلك الشيخ المحدث محمد زاهد الكوثري الحنفي، وكيل المشيخة الإسلامية في أواخر أيام السلطنة العثمانية في مقالاته، وبدأ العقيلي يقرأ فيه ليستشهد بزعمه على صحة طعنه بالإمام أبي حنيفة، وزعم أن أبا حنيفة توسَّع بالقياس والرأي وترك العمل بالحديث، وأنه ردَّ بعض الأحاديث وزعم أنها خُرافة، وأن السلف مجموعون على كفر أبي حنيفة، وأنهم سبوه ولعنوه وشهدوا عليه بالنار، وطعنوا فيه طعونًا كثيرة، وأن من شك أو تردد أو توقف في تكفير أبي حنيفة فهو ضال زائغ منحرف عن جادة السلف.

أهمية المذهب الحنفي:
وأمام هذا الهُراء كان شرفًا لي أن أُدافع عن سيّدنا أبي حنيفة رضي الله عنه، وليت شعري ما مراد الوهابية بتكفير أبي حنيفة علمًا بأنه قد انتسب لهذا المذهب مئات الملايين من المسلمين من عصر التابعين إلى يومنا هذا، وقد مكَّن له أبو يوسف القاضي بعد توليه منصب قاضي القضاة أيام الخليفة هارون الرشيد ثم تولى بعده منصبَ القضاء محمدُ بن الحسن الشيباني وهما أكبر تلاميذ الإمام أبي حنيفة حتى صار المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي للدولة العباسية، وانتشر هذا المذهب في العراق حاضرة الخلافة وقتها وفي شتى بلاد المسلمين من عرب وعجم كمصر والشام وفارس، وما وراء النهر تركستان وأفغانستان والهند، كما كان المذهب الرسمي لعدد من دول المشرق كدولة السلاجقة والدولة الغزنوية ودولة المماليك، حتى صار العرف أنه لا يلي القضاء إلا حنفيٌ، إلى أن نصب السلطان المملوكي الظاهر بيبرس رحمه الله قضاة على المذاهب الأربعة، وقد استحسن العثمانيون المذهب الحنفي فجعلوه دستور الدولة العثمانية طيلة قرون حكمهم الميمون، فأصبح المذهب الحنفي أكبر مذهب فقهي إسلامي وما زال أكثر المسلمين إلى اليوم يتعبدون بمذهب هذا الإمام الجليل، بل ما زال فقه السادة الحنفية هو الدستور القائم في المحاكم الشرعية في مصر والشام وأغلب بلاد المسلمين، فهل يكون تكفير أبي حنيفة وتكفير من دافع عنه وبرأه مما رمته به الوهابية إلا تكفيرًا للأمة ودُولها وخلفائها وسلاطينها وأمرائها وأعيانها وعلمائها على مدى مئات السنين الغائرة في قلب التاريخ. والذي أراه أن أدعياء السلفية الوهابية حاقدةٌ مغتاظةٌ من الإمام أبي حنيفة وأصحابه وأتباعه لأنهم بينوا عَوَر الوهابية قبل أن تُوجَدَ الوهابية، فإن المطالع لكتب السادة الحنفية وعبارات الإمام المنقولة عنه يجدها مشحونة بما ينقض ما عليه المجسمة أسلاف الوهابية، حيث كان الإمام وأصحابه منزهين لله تعالى عن الحد والمكان والجهة، وكانوا يجيزون التوسل بالأنبياء والصالحين، ولا يُكفّرون أحدًا من أهل القبلة بمجرد الذنب كما صرَّح بذلك الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي في عقيدته المشهورة التي قال في مطلعها (هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وصاحبيه، أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين) وقد تلقت الأمة هذه العقيدة بالقبول ولم يعترض عليها أحدٌ منذ أكثر من ألف سنة حتى انبرى لشرحها بعض أدعياء السلفية فشحنوا شروحاتهم بما يُخالف المذهب الحنفي وعقيدة المسلمين، ومن العجب العُجاب أنهم مع تكفيرهم لأبي حنيفة فإن ممن تصدى لشرح عقيدة الطحاوي ينتسب للمذهب الحنفي، ويقال له ابن أبي العز الحنفي، فيا ويلكم من الله يا من كفّرتم الأمة بغير حق حتى صرتم لا تستحون من تكفير من تزعمون أنكم تتعبدون الله بمذهبه.
وإنني لأرجو الله بدفاعي عن هذا الإمام أن يفتح لي ما اُغلق وأن ييسر لي الخير في الدنيا والآخرة، وفيما يلي نذكر طرفًا من أخبار هذا الإمام العظيم وفضله على سبيل الإيجاز، مع حذف ما يتعلق بمولده ونسبه ورحلاته العلمية ووفاته فنقول وبالله التوفيق.

الإمام أبو حنيفة علمه وفضله:
روى الإمام أحمد في المسند وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو كان الإيمان منوطًا بالثريا لتناوله رجال من فارس) وفي رواية عند الترمذي (لو كان الدين بالثريا لناله رجال من أبناء فارس)، وقد نبغ من أبناء الفرس أئمة في الفقه والحديث والتفسير واللغة، ولا شك أن الإمام أبا حنيفة من أبرزهم، بل قد أوَّل الحافظ السيوطي هذا الحديث بالإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وروى البخاري في التاريخ الكبير والحاكم في المستدرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لتُفتحنَّ القُسطنطينية ولَنِعمَ الأميرُ أميرُها ولنِعمَ الجيشُ ذلك الجيش) ومعلومٌ أن فاتح القسطنطينية السلطان العثماني محمد الثاني الفاتح كان ماتريديًا حنفيًا، وبالتالي فإذا ما كان هذا السلطان الممدوح بصريح كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره تابعًا للإمام أبي حنيفة فإن معنى ذلك أن أبا حنيفة إمام هدى يُقتدى به، وإلا لما حاز تابعُ مذهبِه هذا المقام لو كان مذهبه باطلا كما زعمت الوهابية.
ثم إن معرفة حقيقة الشخص عالمًا كان أم لا تُعرف بشهادة أئمة زمانه ممن عاصروه، ومن كان قريبًا منه أو من زمانه، وقد اتفق هؤلاء على تبجيل أبي حنيفة وتقدمه في علوم الدين، وقد مدحه غيرُ واحد من أكابر الأئمة منهم علي بن المديني ويحيى بن مَعين والإمام محمد الباقر وعبد الله بن المبارك والإمام مالك صاحب المذهب المشهور، بل سُئل مالك هل رأيت أبا حنيفة، فقال (نعم رأيت رجلا لو كُلّم في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته)، وقال الإمام الشافعي (من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة) وكان الشافعي على جلالة قدره تلميذُ تلميذِ أبي حنيفة قد أخذ العلم عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وغيره، وأخذ عن الشافعي الإمامُ أحمد الذي تنتسب إليه الوهابية زورًا وبُهتانًا، فأبو حنيفة شيخ مشايخ الإمام أحمد الذي تنتسب إليه أدعياء السلفية، وتراهم مع هذا يُكفّرون أبا حنيفة، فاعجب لذلك أشد العجب.
وهذا الثناء من الأئمة على أبي حنيفة ثابت ومن أراد التحقق فلينظر في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي وتهذيب الأسماء والصفات للنووي والخيرات الحسان لابن حجر الهيتمي وتبييض الصحيفة للسيوطي ومناقب أبي حنيفة للذهبي ومنازل الأئمة الأربعة للسلماسي وغيرها من كتب التراجم والتاريخ ليعرف من هو أبو حنيفة ومن هم أصحاب أبي حنيفة.
وليُعلم أن أكثر العلماء على أن أبا حنيفة من التابعين، قال ذلك ابن حجر العسقلاني في التقريب والسيوطي في تبييض الصحيفة وابن الجوزي في العلل المتناهية وغيرهم كثير، وقد لقي أنسَ بن مالك وواثلةَ بن الأسقع وعبدَ الله بن أنيس وعبدَ الله بن جَزْءٍ وعبدَ الله بن أوفى وغيرَهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد وفّق الله سبحانه وتعالى أبا حنيفة إلى تدوين الفقه، فكان أول من دوَّنه ورتبه أبوابًا لم يسبقه لذلك أحد، وهو أول من ردّ على الفرق المنحرفة عن الصواب بالحجج والبراهين، وناظر الملاحدة وكسرهم، وقرر أحسنَ طريقة في الرد على المخالفين كما أثبت ذلك عنه الأسفراييني في التبصير في الدين وأبو منصور البغدادي في الفَرْقِ بين الفِرَق.

دفاع العلماء عن أبي حنيفة:
ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده إلى أبي كرامة قال كنا عند وكيع بن الجراح (شيخ الشافعي) فقال رجل (أخطأ أبو حنيفة، فقال وكيع وكيف يقدر أبو حنيفة أن يُخطئ ومعه مثل أبي يوسف ومحمد بن الحسن وزُفر في قياسهم واجتهادهم، ومثل يحيى بن زكريا وحفص بن غياث وحبَّان ومندل في حفظهم للحديث ومعرفتهم، ومثل القاسم بن معن في معرفته بالنحو واللغة، وداود الطائي والفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما، وعبد الله بن المبارك في معرفته بالتفسير والأحاديث والتواريخ، فمن كان أصحابه وجلساؤه هؤلاء كيف يخطئ وهو بينهم، وكُلٌ يثني عليه، لأنه إن أخطأ ردوه إلى الصواب).
فمن كان هؤلاء الأكابر تلامذته كيف يسكتون له على الكفر بزعم أدعياء السلفية الوهابية؟ سبحانك ربي هذا بهتان عظيم، وما تكفيرهم لمثل هؤلاء الأعلام إلا نقضٌ لعُرى الإسلام عروة عروة.

قال الله تعالى (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

والحمد لله أولا وآخرا.

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *