ما حكم صرف الزّكاة إلى الأعمال الخيرية وما معنى قول الله تعالى (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ)؟
23 أبريل 2020
خطورة التسرع في التكفير (منهج التكفير عند أدعياء السلفية)
26 أبريل 2020

خطورة التسرع في التكفير (منهج التكفير عند الخوارج)

خطورة التسرع في التكفير (منهج التكفير عند الخوارج)

قال الله تعالى في القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)) سورة الأحزاب آية 70 و71.

لقد أرسل الله عز وجل نبيه الكريم محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فجاء هاديًا ومبشرًا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرا، فهدى الله به الأمة، وكشف به الغُمَّة، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فجزاه الله خير ما جزى نبيًا عن أمته، وقد جعل الله تعالى في اتّباعه صلى الله عليه وسلم الفوز والفلاح، وجعل شرعه الشريف سهلا سمحًا، بعيدًا عن التعقيد والغلو والتطرف، فجاء صلى الله عليه وسلم بعقيدة قويمة، وأحكام راسخة التزم بها أصحابه الكرام ومن جاء بعدهم من السلف الصالح فدانت لهم الأرض، وحملوا للدنيا مشاعل النور التي تضيء العقول والقلوب، وتبدد غياهب الجهل وظلام الظلم، ولكن أبى بعض الناس قديمًا وحديثًا أن يفتحوا قلوبهم للحق، فقادهم الشيطان إلى مزالق الخسران المبين، فشذوا وضلّوا وفسدوا وأفسدوا، وكان من أخطر ما ابتلي به هؤلاء الرَعاع تكفيرهم المسلمين بغير حق حيث زيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، فظنوا الخطأ صوابا، والباطل حقا، وهكذا يفعل الجهل بصاحبه ولقد قيل:

يصيب وما يدري ويُخطي وما درى *** وكيف يكون الجهل إلا كذلكا

منهج التكفير عند الخوارج:
وقد قاد هؤلاء الهمج جهلُهم وإفكُهم إلى إطلاق التكفير جُزافًا بغير هدى ولا بصيرة ولا بينة، ابتداءً بالخوارج الذين كانوا أول فرقة شذّت في الاعتقاد عمّا كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكفَّروا مرتكب الذنب الكبير من المسلمين، ووصل الأمر ببعضهم إلى تكفير من لم يكفِّر مرتكب الكبيرة، بل تمادوا في غيهم وبغيهم فكفَّروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وليت شعري إذا كفَّروا عليًا رضي الله عنه على جلالة قدره فأنّى يتورعون بعد ذلك عن تكفير من هو دون علي كرَّم الله وجهه، وقد لقي المسلمون منهم أذىً شديدًا وبلاءً عظيمًا، حيث كانوا يقتلون المرأة المسلمة، ويبقرون بطن الحامل بعد قتلها فيقتلون الجنين في أحشائها لئلا يصير كافرًا كأمه بزعمهم، ونشأت فيهم فرقة من فرقهم يقال لهم البيهسية كفّروا الحاكم إذا حكم بغير الشرع، وكفَّروا الرعايا سواءٌ من تابعه أم لم يتابعه، إذا لم يثوروا عليه لخلعه، وعلى هذا سار سيد قطب ومن تابعه من حزبه المسمى بالإخوان المسلمين، وقد كان الخوارج في نفس الوقت سلمًا على أعداء الأمة الذين يبغون لها الغوائل ويحيكون لها المؤامرات، ومن غرائبهم وعجائبهم أن أنكر بعضهم سورة يوسف عليه السلام يعني وصلت الوقاحة بهم ذروتها، فتطاولوا على كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد انقرض بحمد الله وفضله أكثر الخوارج، ولكن بقي منهم القليل في بعض نواحي المسلمين، فنسأل الله تعالى لهم الهداية وحسن الحال لنكون صفًا واحدًا في مواجهة المؤامرات والتداعيات الخطيرة التي تُغرق البلاد والعباد اليوم، ونتمكن بإذن الله تعالى من الصمود في وجه الأعاصير التي كانت وما زالت تضرب أمتنا الأبية.

خطورة التسرع في التكفير:

ولو سألنا ما الذي حمل هؤلاء الغوغاء على مثل هذه المقالات الفارغة الفاسدة، فشحنوا بها بطون كتبهم وإصداراتهم، لكان الجواب بكل صراحة وبساطة إن الذي حملهم على هذا الجهل في علم الدين، بل قد جَهِلوا وجَهِلوا أنهم يجهلون، وظنوا ما هم عليه من الجهل علمًا، وحسبوا أن لهم حق الاجتهاد واستنباط الأحكام من الكتاب والسنة، فخاضوا فيما لا حظ لهم فيه بغير علم ولا هدى ولا دليل ولا بينة، فكانوا كحاطب ليل لا يفرّق بين عيدان الحطب والأفعى، ثم نشروا هذه السموم بين الناس ولهم في القيامة موقف يحاسبهم فيه ديّان يوم الدين، ألا يعلم هؤلاء معنى الحكم بالتكفير، وما الذي ينبني على ذلك من أحكام؟ فإن الحكم بالكفر على شخص يعني الحكم بانقطاع التوارث بين الأب وولده، وبطلان النكاح القائم بينه وبين زوجته، وغير ذلك من الأحكام.
إن التسرع في التكفير خطر عظيم، وبالتالي ليس لأحد أن يبني التكفير على مجرد الرأي، فيُكفّرَ من هو في الحقيقة مؤمن خالص، كما كفّرت الخوارج الإمام عليًا رضي الله عنه، فهل يعرف هؤلاء ماذا يقولون، وأين يذهبون، فإن علم الدين لا يُنال بالتمني ولا بالتشهي، ومتى سيعي هؤلاء أن كثيرًا مما عانته الأمة وما تعانيه اليوم كان بسبب تسرعهم في التكفير بغير حق، فأدى ذلك إلى نشوء جماعات تحكم على من سواها بالكفر، وترى السيف على من خالفها، ولا يخفى ما جرّه ذلك على الأوطان من بلاء عظيم أغرق الأبرياء في حمامات الدم.
ومن هنا فإننا نقول ومن باب النصيحة لهؤلاء الناس وهذه الجماعات اتقوا الله في أنفسكم، وفي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، واخرجوا مما أنتم فيه، وأعيدوا النظر مرة بعد مرة في كثير مما أنتم عليه، فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، وربنا عز وجل يقول (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ 125) سورة النحل.

والحمد لله أولا وآخرا.

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *