بيان مسلك العلماء في تأويل ءاية الاستواء
بيان مسلك العلماء في تأويل ءاية الاستواء
2 نوفمبر 2016
بيان أن الإمام مالكا على التنزيه في مسئلة الاستواء
بيان أن الإمام مالكا على التنزيه في مسئلة الاستواء
2 نوفمبر 2016

بيان أن الإمام أبا حنيفة على التنـزيه في مسئلة الاستواء

بيان أن الإمام أبا حنيفة على التنـزيه في مسئلة الاستواء

بيان أن الإمام أبا حنيفة على التنـزيه في مسئلة الاستواء

ورد قرءانًا وصف الله بأنه مستوٍ على العرش، فيجب الإيمان بذلك بلا كيف، فليس بمعنى الجلوس أو الاستقرار أو المحاذاة للعرش، لأن ذلك كَيْفٌ، والله منـزه عن الاستواء بالكيف، لأنه من صفات الأجسام، بل نقول استوى على العرش استواء يليق به هو أعلم بذلك الاستواء، وهذا موافق ومنسجم مع الآية المحكمة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ).

وقد سئل الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه عن الاستواء فقال (من قال لا أعرف الله أفي السماء هو أم في الأرض فقد كفر، لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه). اهـ

وهذا القول ثابت عن الإمام أبي حنيفة نقله من لا يحصى كالإمام أبي منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في شرحه على الفقه الأكبر والإمام أحمد الرفاعي في البرهان المؤيد والعز ابن عبد السلام في حل الرموز والشيخ تقي الدين الحصني في دفع شبه من شبه وتمرد والشيخ علوان ابن السيد عطية الحسيني الحموي (ت 936 هـ) في كتابه بيان المعاني وشمس الدين الرملي (ت 1004 هـ) في فتاويه والنفراوي (ت 1126 هـ) في الفواكه الدواني والشيخ محمد بن سليمان الحلبي في نخبة اللآلى وغيرهم.

وأما ما قاله المجسم ابن القيم في نونيته:

وكذلك النعمان قال وبعده *** يعقوب والألفاظ للنعمان
من لم يقر بعرشه سبحانه *** فوق السماء وفوق كل مكان
ويقر أن الله فوق العرش لا *** يخفى عليه هواجس الأذهان
فهو الذي لا شك في تكفيره *** لله درك من إمام زمان
هو الذي في الفقه الأكبر عندهم *** وله شروح عدة لبيــان

أقول:
إن هذا المجسم يريد أن يروّج بدعته هذه بالكذب على الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وهذا الفقه الأكبر بين أيدينا فليراجعه من شاء، وغير غريب أن يكذب هذا الرجل فإنه مبتدع داعية إلى بدعته غال فيها كلَّ الغلو، وكلّ مبتدع هذا شأنه لا يتوقى الكذب لينصر بدعته، فهذا الفقه الأكبر فيه (والله واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ (4))) سورة الإخلاص، لا يشبه شيئًا من خلقه ولا يشبهه شىءٌ من خلقه.
وفيه (وصفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة، فمن قال إنها مخلوقة أو محدَثة أو توقَّفَ فيها أو شك فيها فهو كافر بالله تعالى).
وفيه (وهو شىءٌ لا كالأشياء، ومعنى الشىء إثباته بلا جسم ولا عَرَض ولا حد له ولا ضد له ولا نِد له ولا مِثل له).
وفيه أيضا (ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا كمية ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة).
وفي الوصية للإمام أبي حنيفة (ولقاء الله تعالى لأهل الجنة حق بلا كيفية ولا تشبيه ولا جهة).
وفي الوصية للإمام أبي حنيفة (نقر بأن الله على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه وهو الحافظ للعرش وغير العرش، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوق ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله تعالى! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا).

وفي الفقه الأبسط للإمام أبي حنيفة (من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فهو كافر، وكذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض).
وقال أيضا (كان الله تعالى ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق،كان ولم يكن أين ولا خلق ولا شىء، وهو خالق كل شىء).

وإنما كفَّر الإمام قائل هاتين العبارتين لأنه جعل الله مختصًّا بجهة وحيز، وكلّ ما هو مختص بالجهة والتحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة أي بلا شك، وليس مراده كما زعم المشبهة إثبات أن السماء والعرش مكان لله تعالى بدليل كلامه السابق الصريح في نفي الجهة عن الله (وقد نقلنا ذلك)، ومن ذلك قوله ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان.

ففي هذه إشارة من الإمام رضي الله عنه إلى إكفار من أطلق التشبيه والتحيز على الله كما قال العلامة البَيَاضي الحنفي في إشارات المرام والشيخ الكوثري في تكملته وغيرهما.

وفي شرح الفقه الأكبر لـملا علي القاري (ثم قال ومنه ما روي عن أبي مطيع البلخي أنه سأل أبا حنيفة رحمه الله عمن قال لا أعرف ربي في السماء هو أم في الأرض، فقال قد كفر لأن الله تعالى يقول (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) وعرشه فوق سبع سمواته، قلت فإن قال إنه على العرش ولا أدري العرش في السماء أم في الأرض، قال هو كافر لأنه أنكر كونه في السماء فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر لأن الله تعالى في أعلى عليين وهو يدعى من أعلى لا من أسفل).

والجواب أنه ذكر الشيخ الإمام ابن عبد السلام في كتاب حل الرموز أنه قال (قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله من قال لا أعرف الله تعالى في السماء هو أم في الأرض كفر، لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه) ولا شك أن ابن عبد السلام من أجل العلماء وأوثقهم فيجب الاعتماد على نقله لا على ما نقله الشارح، مع أن أبا مطيع رجل وضاع عند أهل الحديث كما صرح به غير واحد. انتهى كلام ملا علي القاري

أقول:
والعجب من ابن أبي العز أنه اعتمد على هذه الرواية، مع أنه في موضع ءاخر من شرحه يضعف أبا مطيع البلخي، وينقل تضعيفه عن أحمد والبخاري وغيرهما.

قال الشيخ مصطفى أبو السيف الحمامي في كتابه غوث العباد ببيان الرشاد بعد أن نقل كلام ملا علي القاري (ومنه يعلم أمور الأمر الأول أن تلك المقالة ليست في الفقه الأكبر، وإنما نقلها عن أبي حنيفة ناقل فيكون إسنادها إلى الفقه الأكبر كذبا يراد به ترويج البدعة، الأمر الثاني أن هذا الناقل مطعون فيه بأنه وضاع لا يـحل الاعتماد عليه في نقل يبنى عليه حكم فرعيّ فضلا عن أصلي فالاعتماد عليه وحاله ما ذكر خيانة يريد الرجل بها أن يروّج بدعته، الأمر الثالث أن هذا النقل صرّح إمام ثقة هو ابن عبد السلام بما يكذبه عن أبي حنيفة بالنقل الذي نقله عن هذا الإمام الكبير المجتهد رضي الله عنه، فاعتماد الكذاب وإغفال الثقة خيانة يراد به تأييد بدعته وهي جرائم تكفي واحدة منها فقط لأن تسقط الرجل من عداد العدول العاديين لا أقول من عداد العلماء أو أكابر العلماء أو الأئمة المجتهدين، ويعظم الأمر إذا علمنا أن الخيانات الثلاث في نقل واحد وهو مما يرغم الناظر في كلام هذا الرجل على أن لا يثق بنقل واحد ينقله فإنه لا فرق بين نقل ونقل، فإذا ثبت خيانته في هذا جاز أن تثبت في غيره وغيره) انتهى كلام الحمامي.

ولهذا قال الشيخ العلامة الفقيه أبو المحاسن محمد القاوقجي الطرابلسي الحنفي (ت 1305 هـ) في كتابه الاعتماد في الاعتقاد ما نصه (ولا يقال لا يعلم مكانه إلا هو، ومن قال لا أعرف الله في السماء أم في الأرض كفر، لأنه جعل أحدهما له مكانا، فإن قال لك: ما دليلك على ذلك؟ فقل لأنه لو كان له جهة أو هو في جهة لكان متحيزا، وكل متحيز حادث (مخلوق)، والحدوث عليه محال).

وقال ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر (فمن أظلم ممن كذب على الله أو ادعى ادعاء معينًا مشتملاً على إثبات المكان والهيئة والجهة من مقابلة وثبوت مسافة وأمثال تلك الحالة، فيصير كافرًا لا محالة) وقال البدعة لا تزيل الإيمان والمعرفة، ثم استثنى منها فقال إلا التجسيم وإنكار علم الله سبحانه بالجزئيات فإنه يكفر بهما بالإجماع من غير نزاع.
وقال ملا عليّ القاري في شرحه على الفقه الأكبر (ثم قال القونوي وفي قوله (بذنب) إشارة إلى تكفيره بفساد اعتقاده كفساد اعتقاد المجسمة والمشبهة والقدرية ونحوهم).
وقال ملا علي القاري ما نصه (نعم من اعتقد أن الله لا يعلم الأشياء قبل حصولها فهو كافر وإن عد قائله من أهل البدع، وكذا من قال بأنه سبحانه جسم وله مكان ويمر عليه زمان ونحو ذلك فإنه كافر حيث لم تثبت له حقيقة الإيمان).

وأما ما نسبه المجسم ابن القيم إلى يعقوب وهو الإمام أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهما، قال الشيخ مصطفى الحمامي الذي هو أحد علماء الأزهر (لا أشك في أنه كذب يروج به هذا الرجل بدعته) وكذا قال الكوثري في تكملته، فبهذا ينتسف ما قاله المجسم ابن القيم.

وكذلك ما تنسبه الوهابية إلى أبي حنيفة أنه قال (الله في السماء) فغير ثابت ففي سنده أبو محمد بن حيّان ونعيم بن حماد ونوح بن أبي مريم أبو عصمة، فالأول ضعفه بلديه الحافظ العسال، ونعيم بن حماد مجسم، وكذا زوج أمه نوح ربيب مقاتل بن سليمان شيخ المجسمة، فنوح أفسده زوج أمه ونعيم أفسده زوج أمه، وقد ذكره كثير من أئمة أصول الدين في عداد المجسمة، فأين التعويل على رواية مجسم فيما يحتج به لمذهبه؟!

قال الحافظ ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه عن نعيم بن حماد (قال ابن عدي كان يضع الأحاديث، وسئل عنه الإمام أحمد فأعرض بوجهه عنه وقال: حديثه منكر مجهول) فإن قالت الوهابية ذكره الذهبي نقلا عن البيهقي في الأسماء والصفات، قلنا رواه البيهقي في الأسماء والصفات وقال إن صحت الحكاية، فهذا يدل على عدم أمانة الذهبي في النقل حيث أغفل هذا القيد ليوهم القارئ أن القول بأن الله في السماء كلام إمام مثل أبي حنيفة).

قال الشيخ الكوثري في تكملته (وقد أشار البيهقي بقوله (إن صحت الحكاية) إلى ما في الرواية من وجوه الخلل) على أن الإمام البيهقي ذكر في الأسماء والصفات في كثير من المواضع أن الله منزه عن المكان والحد ومن ذلك قوله وما تفرد به الكلبي وأمثاله يوجب الحد، والحد يوجب الحدث لحاجة الحد إلى حاد خصه به، والبارئ قديم لم يزل.
وقوله (وأن الله تعالى لا مكان له، ثم قال فإن الحركة والسكون والاستقرار من صفات الأجسام والله تعالى أحد صمد ليس كمثله شىء).

وقوله (والمجيء والنزول صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه، جل الله تعالى عما يقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرًا).

فوضح بعد هذا البيان الشافي أن دعوى إثبات المكان لله تعالى أخذا من كلام أبي حنيفة رضي الله عنه افتراء عليه وتقويل له بما لم يقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *