مِنْ مَعَاصِي اللِّسَانِ سَبُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِنْ فَرِيقَيِ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ وَالْجُمْهُورُ الأَعْظَمُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ مُصِيبٌ فِي قِتَالِهِ
1 أكتوبر 2017
بعض الحوادث التي جرت في عاشوراء
1 أكتوبر 2017

مِنْ مَعَاصِي اللِّسَانِ سَبُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

مِنْ مَعَاصِي اللِّسَانِ سَبُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ سَبَّهُمْ جُمْلَةً كَفَرَ فَالَّذِي يَقُولُ الصَّحَابَةُ لا فَضْلَ لَهُمْ مُسْتَخِفًّا بِهِمْ يَكْفُرُ، وَالَّذِي يَقُولُ الصَّحَابَةُ لا يُؤْتَمَنُونَ فِي نَقْلِ الشَّرِيعَةِ يَكْفُرُ، لأِنَّنَا لَمْ نَعْرِفِ الشَّرِيعَةَ إِلاَّ بِوَاسِطَتِهِمْ لأِنَّنَا لَمْ نُدْرِكِ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالَّذِي يُخَوِّنُ الصَّحَابَةَ جُمْلَةً يَكْفُرُ، فَإِنَّ الْقُرْءَانَ مِنْ طَرِيقِهِمْ وَصَلَ إِلَيْنَا، وَأُمُورُ الدِّينِ الْمَنْقُولَةُ عَنِ الرَّسُولِ كُلُّها مِنْ طَرِيقِهِمْ وَصَلَتْ إِلَيْنَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/100] هَؤُلاءِ هُمْ أَوْلِيَاءُ الصَّحَابَةِ وَسَبُّ أَحَدِهِمْ أَعْظَمُ إِثْمًا وَأَشَدُّ ذَنْبًا مِنْ سَبِّ غَيْرِهِ.

وَأَمَّا سَبُّ بَعْضِ الَّذِينَ بَالَغُوا فِي الْفِسْقِ مِنَ الصَّحَابَةِ لِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَجَائِزٌ. فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِصَحَابِيٍّ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى (بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ) وَذَلِكَ لأِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي ضَمِيرٍ وَاحِدٍ وَقَالَ لَهُ (قُلْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى) فَلَمْ يَسْكُتْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ الْخَفِيفِ الَّذِي هُوَ مَكْرُوهٌ فَقَطْ.

فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ اتَّفَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ فَالْجَوَابٌ أَنَّ الْمُحَدِّثِينَ قَالُوا بِعَدَالَةِ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ لأِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ لا يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَتْقِيَاءُ صَالِحُونَ فَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ لَمَّا مَاتَ فَوَجَدُوا فِي شَمْلَتِهِ دِينَارَيْنِ [وَالشَّمْلَةُ هِيَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيَابِ] فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ (كَيَّتَانِ مِنْ نَارٍ) وَفَضْلُ أَهْلِ الصُّفَّةِ مَعْرُوفٌ، فَهَذَا لإِخْفَائِهِ دِينَارَيْنِ عَنِ النَّاسِ وَإِظْهَارِ الْفَاقَةِ قَالَ الرَّسُولُ فِيهِ مَا قَالَ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَهُ فَضْلٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَهَلْ يُطْلَقُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ عَدْلٌ بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ الَّذِي هُوَ مَنْ سَلِمَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ.

وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَقَعُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي فِي ذَنْبٍ وَلا يُعَذَّبُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي قَبْرِهِ بَلْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلافِ هَذَا فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى وَادِي الْقُرَى وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضَّبَابِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ حَتَّى أَصَابَ الْعَبْدَ [وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ السَّهْمُ الْعَائِرُ هُوَ الَّذِي لا يُدْرَى مَنْ رَمَاهُ] فَقَالَ النَّاسُ هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا).

وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فِي رَجُلٍ ءَاخَرَ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ (إِنَّهُ فِي النَّارِ). وَكَانَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً ثُمَّ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كُلَّ مَرَّةٍ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَى.

وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ فَأَقَامَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمُ الْحَدَّ، وَهُنَاكَ غَيْرُ هَذَا مِمَّا صَحَّ مِنَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ الَّذِي فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ) فَهَذَا الْحَدِيثُ لا يُرِيدُ بِهِ الرَّسُولُ كُلَّ مَنْ لَقِيَهُ مُؤْمِنًا بِهِ، إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ كَالْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ الْحَدِيثِ أَنَّ خَالِدَ بنَ الْوَلِيدِ سَبَّ عَبْدَ الرَّحْمٰنِ بنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ عَوْفٍ مِنْ طَبَقَتِهِمْ فِي الْفَضْلِ لا يَلْحَقُ بِهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْ طَبَقَتِهِمْ كَخَالِدٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ لأِنَّ إِسْلامَهُ كَانَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَهَذَا مَعَ مَا لِخَالِدٍ مِنَ الْفَضْلِ حَتَّى سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ وَمَعَ ذَلِكَ مَرْتَبَتُهُ بَعِيدَةٌ عَنِ اللِّحَاقِ بِهِمْ، وَمَنْ يُورِدُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي حَقِّ كُلِّ صَحَابِيٍّ فَمَنْشَؤُهُ الْجَهْلُ بِمَرَاتِبِ الصَّحَابَةِ وَبِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.

وَلا يُعْطِي هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ أَنْ لا يُذْكَرَ أَيُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ بَلْ حُكْمُ التَّحْذِيرِ الشَّرْعِيِّ لا بُدَّ مِنْهُ فَلِذَلِكَ ضمَّنَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ كُتُبَهُمُ الَّتِي أَلَّفُوهَا فِي الْحَدِيثِ إِيرَادَ أَحَادِيثَ كَالَّتِي فِيهَا ذَمُّ مِدْعَمٍ وَكِرْكِرَةَ وَلَوْ كَانَ لا يَجُوزُ انْتِقَادُ الصَّحَابِيِّ فِي أَيِّ شَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ مَا ذَكَرُوا هَذِهِ الأَحَادِيثَ وَأَمْثَالَهَا كَحَدِيثِ (لا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ) فِي مُعَاوِيَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَكَحَدِيثِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَشَارَتْهُ فِي أَبِي جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةَ وَكَانَ أَرَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا: (أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ (أَيْ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ) وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ انْكِحِي أُسَامَةَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَفِي الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ لا يُحِبُّ الشَّخْصُ أَنْ يُذْكَرَ بِأَنَّهُ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ ومَنْ سَبَّهُمْ فَقَدْ سَبَّنِي) فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ جُمْلَةً فَيَكُونُ كَافِرًا وَعَلَى مَنْ سَبَّ بَعْضًا مِنْهُمْ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَيَكُونُ وَقَعَ فِي مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ.

وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ مَنْ شَرَحَ حَدِيثَ (لا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ) أَنَّهُ مَدْحٌ وَدُعَاءٌ لِمُعَاوِيَةَ فَلا مَعْنَى لَهُ، كَيْفَ يَكُونُ كَثْرَةُ الأَكْلِ دُعَاءً لَهُ وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ: (الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مَعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [فِي صَحِيحِهِ] وَقَالَ (مَا مَلأَ ابْنُ ءَادَمَ وِعَاءً شَرًّا لَهُ مِنْ بَطْنِهِ بِحَسْبِ ابْنِ ءَادَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ [فِي سُنَنِهِ] فَالْحَاصِلُ الَّذِي تَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ سَبَّ الصَّحَابَةِ عَلَى الإِجْمَالِ كُفْرٌ وَأَمَّا سَبُّ فَرْدٍ مِنَ الأَفْرَادِ مِنْهُمْ إِنْ كَانَ تَقِيًّا فَهُوَ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ تَقِيًّا فَذِكْرُهُ بِذَلِكَ لِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ جَائِزٌ.

قِصَّةٌ غَرِيبَةٌ:

رَوَى ابْنُ بَشْكَوَالَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ بِالْيَمَنِ فَوَجَدْتُ نَاسًا مُجْتَمِعِينَ عَلَى رَجُلٍ وَقِيلَ لِي هَذَا رَجُلٌ كَانَ يَؤُمُّنَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي مَسْجِدِ صَنْعَاءَ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ فَقَرَأَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى عليّ النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ، فَضَرَبَهُ الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَالصَّمَمُ وَالْعَمَى وَأُقْعِدَ مَكَانَهُ، وَهَذَا كَانَ يَطْعَنُ فِي الصَّحَابَةِ حَتَّى حَرَّفَ الآيَةَ فَأَثْبَتَ النُّبُوَّةَ لِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. اهـ

وَلَيْسَ مِنْ سَبِّ الصَّحَابَةِ الْقَوْلُ إِنَّ مُقَاتِلِي عَلِيٍّ كُلَّهُمْ بُغَاةٌ لأِنَّ هَذَا مِمَّا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِهِمْ وَهُمْ أَهْلُ صِفِّينَ، وَقَالَ ذَلِكَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الاِعْتِقَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي عَهِدْتُ عَلَيْهِ مَشَايِخَنَا أَنَّ مِنْ نَازَعَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا فِي إِمَارَتِهِ بَاغٍ، وَعَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بنُ إِدْرِيسَ يَعْنِي الشَّافِعِيَّ اهـ، وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ الْمُحَدِّثُ الشَّافِعِيُّ سِرَاجُ الدِّينِ بنُ الْمُلَقِّنِ فِي تَخْرِيْجِهِ لأِحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ الَّذِي سَمَّاهُ الْبَدْرُ الْمُنِيرُ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ الْكَبِيرِ: (وَثَبَتَ أَنَّ مُقَاتِلِي عَلِيٍّ بُغَاةٌ)، وَنَقَلَ عَنْهُ ذَلِكَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي مُخْتَصَرِهِ الَّذِي اخْتَصَرَ فِيهِ تَخْرِيجَ الْبَدْرِ الْمُنِيرِ وَأَقَرَّهُ وَارْتَضَاهُ.

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ (لا تَقُولُوا كَفَرَ أَهْلُ الشَّامِ وَلَكِنْ قُولُوا فَسَقُوا وَظَلَمُوا) يَعْنِي بِأَهْلِ الشَّامِ الْمُقَاتِلِينَ لأِمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ فِي وَقْعَةِ صِفِّينَ، وَمَعْلُومٌ مَنْ هُوَ عَمَّارٌ هُوَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ الْجَنَّةَ تَشْتَاقُ إِلَى ثَلاثَةٍ) [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ] الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: (عَمَّارٌ مُلِئَ إِيْمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ) [أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَمَعْنَى مُشَاشِهِ: رُءُوسُ عِظَامِهِ كَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ]، فَكَيْفَ يُتْرَكُ كَلامُهُ وَيُؤْخَذُ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ (كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ مَعْذُورُونَ أَوْ مَأْجُورُونَ)، وَكَيْفَ يَقُولُ هَذَا مُنْصِفٌ وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَوِاتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (وَيْحَ [وَيْحَ عَمَّارٍ مَعْنَاهُ تَعَطُّفٌ عَلَى عَمَّارٍ كَأَنَّ الرَّسُولَ يَقُولُ يَا حَزَنِي عَلَى عَمَّارٍ] عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كِتَابِ الصَّلاةِ وَفِي كِتَابِ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، وَرَوَاهُ فِي الْمَنَاقِبِ بِدُونِ الْجُزْءِ الأَخِيرِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي مَوْضِعَيْنِ.

وَرِوَايَةُ الطَّبَرَانِيِّ فِيهَا زِيَادَةٌ وَهِيَ (وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ النَّاكِبَةُ عَنِ الْحَقِّ). وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَهْدِمُ عَلَى الَّذِينَ فَسَّرُوا الْبَاغِيَةَ بِالطَّالِبَةَ تَبَعًا لاِبْنِ تَيْمِيَةَ لأِنَّهُ مِنْ خُبْثِهِ وَشِدَّةِ عِنَادِهِ قَالَ مَعْنَاهُ الطَّالِبَةُ. وَمَنْ قَالَ إِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ) لَيْسَ فِيهِ ذَمٌ فَهُوَ مُخَالِفٌ لَمَّا كَانَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ كِلاهُمَا لأِنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا اتَّهَمَ الآخَرَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِ وَدَفْعَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِمَا فِيهِ مِنْ ذَمٍّ لِتِلْكَ الْفِئَةَ.

فَقَدْ حَكَمَ الرَّسُولُ عَلَى أَنَّ كُلَّ الَّذِينَ قَاتَلُوا عَلِيًّا مَعَ مُعَاوِيَةَ بُغَاةٌ وَلا يُسْتَثْنَى أَحَدٌ مِنْهُمْ وَهَذَا ذَمٌّ وَأَيُّ ذَمٍّ، فَمَنْ قَالَ لأِحَدِهِمْ كَانَ بَاغِيًا لا يَكُونُ قَوْلُهُ مِنْ بَابِ سَبِّ الصَّحَابَةِ لأِنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَنْ تَابَ مِنْهُمْ مَحَا اللَّهُ ذَنْبَهُ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ يُعَذِّبُهُ وَإِنْ شَاءَ يَعْفُو عَنْهُ. وَمِنْ بَيْنِهِمْ رَجُلٌ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَقَتْلَ عَمَّارًا ثُمَّ صَارَ يَقُولُ عِنْدَمَا يَأْتِي بَابَ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ قَاتِلُ عَمَّارٍ فِي الْبَابِ يَتَبَجَّحُ بِقَتْلِهِ عَمَّارًا وَهُوَ سَمِعَ الرَّسُولَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقُولُ (لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)، عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ الَّذِينَ ذَكَرُوهُ وَوَصَفُوهُ بِهَذَا هَلْ يَكُونُونَ سَبُّوا الصَّحَابَةَ؟! وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَمَّنْ يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ إِنَّهُمْ يَسُبُّونَ الصَّحَابَةَ فَلْيُعِدُّوا الْجَوَابَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَقَالَ الْعَلامَّةُ اللُّغَوِيُّ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي (لِسَانِ الْعَرَبِ) مَا نَصُّهُ: وَالْبَغْيُ التَّعَدِّي وَبَغَى الرَّجُلُ عَلَيْنَا بَغْيًا عَدَلَ عَنِ الْحَقِّ وَاسْتَطَالَ اهـ. ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الأَزْهَرِيُّ وَالْبَغْيُ الظُّلْمُ وَالْفَسَادُ اهـ. ثُمَّ قَالَ: وَالْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ هِيَ الظَّالِمَةُ الْخَارِجَةُ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَيْحَ ابْنِ سُمَيَّةَ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ). اهـ

وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ جُوَيْبر عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/9] قَالَ بِالسَّيْفِ، قُلْتُ فَمَا قَتْلاهُمْ قَالَ شُهَدَاءُ مَرْزُوقُونَ قَالَ قُلْتُ فَمَا حَالُ الأُخْرَى أَهِيَ الْبَغْيُ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ قَالَ إِلَى النَّارِ. اهـ

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي حَدِيثِ (وَيْحَ عَمَّارٍ): وَهُوَ أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَثْبَتِ الأَحَادِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمَّا لَمْ يَقْدِرْ مُعَاوِيَةُ عَلَى إِنْكَارِهِ لِثُبُوتِهِ عِنْدَهُ قَالَ إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ أَخْرَجَهُ، وَلَوْ كَانَ حَدِيثًا فِيهِ شَكٌ لَرَدَّهُ مُعَاوِيَةُ وَأَنْكَرَهُ وَأَكْذَبَ نَاقِلَهُ وَزَوَّرَهُ، وَقَدْ أَجَابَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذًا قَتَلَ حَمْزَةَ حِينَ أَخْرَجَهُ، قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ وَهَذَا مِنْ عَلِيٍّ إِلْزَامٌ مُفْحِمٌ لا جَوَابَ عَنْهُ وَحُجَّةٌ لا اعْتِرَاضَ عَلَيْهَا. اهـ كَلامُ الْقُرْطُبِيِّ.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ مَا نَصُّهُ: وَدَلَّ حَدِيثُ (تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ) عَلَى أَنَّ عَلِيًّا كَانَ الْمُصِيبَ فِي تِلْكَ الْحَرْبِ لأِنَّ أَصْحَابَ مُعَاوِيَةَ قَتَلُوهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مَا نَصُّهُ فَتَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَثَبَتَ بِدَلِيلِ الدِّينِ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إِمَامًا، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ بَاغٍ وَأَنَّ قِتَالَهُ وَاجِبٌ حَتَّى يَفِيءَ إِلَى الْحَقِّ وَيَنْقَادَ إِلَى الصُّلْحِ. اهـ

وَقَالَ مُلاَّ عَلِي الْقَارِي فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ مَا نَصُّهُ: (تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ) أَيِ الْجَمَاعَةُ الْخَارِجَةُ عَلَى إِمَامِ الْوَقْتِ وَخَلِيفَةِ الزَّمَانِ.

وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا نَصُّهُ: (وَيْحَ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ يُرِيدُ بِهِ مُعَاوِيَةَ وَقَوْمَهُ (يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ) أَيْ إِلَى سَبَبِهَا وَهُوَ طَاعَةُ الإِمَامِ الْحَقِّ (وَيَدْعُونَهُ إِلَى) سَبَبِ (النَّارِ) وَهُوَ عِصْيَانُهُ وَمُقَاتَلَتُهُ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ يَوْمَ صِفِّينَ دَعَاهُمْ فِيهِ إِلَى الإِمَامِ وَدَعَوْهُ إِلَى النَّارِ وَقَتَلُوهُ. اهـ

وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ ءَاخَرَ مِنْ شَرْحِهِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا نَصُّهُ (وَيْحَ عَمَّارٍ) بِالْجَرِّ عَلَى الإِضَافَةِ وَهُوَ ابْنُ يَاسِرٍ (تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ) قَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ يُرِيدُ بِهِ مُعَاوِيَةَ وَقَوْمُهُ. اهـ

وَهَذَا صَرِيحٌ فِي بَغْيِ طَائِفَةِ مُعَاوِيَةَ الَّذِينَ قَتَلُوا عَمَّارًا فِي وَقْعَةِ صِفِّينَ وَأَنَّ الْحَقَّ مَعَ عَلِيٍّ وَهُوَ مِنَ الإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ.

وَقَدْ نَقَلَ الْفَقِيهُ الْمُتَكَلِّمُ أَحَدُ رُءُوسِ الأَشَاعِرَةِ الْقُدَمَاءِ ابْنُ فُورَك فِي كِتَابِ (مَقَالاتِ الأَشْعَرِيِّ) كَلامَ أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ فِي أَمْرِ الْمُخَالِفِينَ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: وَكَانَ أَيِ الأَشْعَرِيُّ يَقُولُ فِي أَمْرِ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ وَالْمُنْكِرِينَ لإِمَامَتِهِ إِنَّهُمْ كُلَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْخَطَإِ فِيمَا فَعَلُوا. اهـ وَعِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ الْخَطَأُ مَعْنَاهُ الْمَعْصِيَةُ.

وَقَالَ: وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ فِي حَرْبِ مُعَاوِيَةَ إِنَّهُ كَانَ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ خَطَأً وَبَاطِلاً وَمُنْكَرًا وَبَغْيًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ إِمَامٍ عَادِلٍ فَأَمَّا خَطَأُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَكَانَ يَقُولُ إِنَّهُ وَقَعَ مَغْفُورًا لِلْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُمَا بِالْجَنَّةِ فِيمَا رُوِيَ فِي خَبَرِ بِشَارَةِ عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْجَنَّةِ فَذَكَرَ فِيهِمْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَأَمَّا خَطَأُ مَنْ لَمْ يُبَشِّرْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ فِي أَمْرِهِ فَإِنَّهُ مُجَوَّزٌ وَالْعَفْوُ عَنْهُ. اهـ

وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنْ شَيْخِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ بِأَنَّ كُلَّ مُقَاتِلِي عَلِيٍّ عَصَوْا وَأَنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ تَابَا مِنْ ذَلِكَ جَزْمًا وَأَمَّا الآخَرُونَ فَهُمْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ يَجُوزُ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ. فَبَعْدَ هَذَا لا يَسُوغُ لأِشْعَرِيٍّ أَنْ يُخَالِفَ كَلامَ الإِمَامِ فَيَقُولَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ وَجَيْشَهُ غَيْرُ ءَاثِمِينَ مَعَ الاِعْتِرَافِ بِأَنَّهُمْ بُغَاةٌ.

وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ مَأْجُورُونَ فَأَبْعَدُ مِنَ الْحَقِّ. وَفِي تَعْبِيرِ الإِمَامِ الأَشْعَرِيِّ عَنْ حَرْبِ مُعَاوِيَةَ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَمُنْكَرٌ وَبَغْيٌ الْحُكْمُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ. وَكَلامُهُ هَذَا بَعِيدٌ عَنْ كَلامِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَالُوا إِنْ عَمِلَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَاتَلُوا عَلِيًّا يَدْخُلُ تَحْتَ حَدِيثِ (إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) لأِنَّ الاِجْتِهَادَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ هُوَ الاِجْتِهَادُ الَّذِي يَكُونُ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ، وَمَسْئَلَةُ مُقَاتَلَةِ الإِمَامِ الرَّاشِدِ كَعَلِيٍّ مَعْلُومٌ حُرْمَتُهَا مِنْ عِدَّةِ أَحَادِيثَ كَحَدِيثِ (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَحَدِيثِ (إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخِرَ مِنْهُمَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَالْخَطَأُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الإِمَامُ الأَشْعَرِيُّ مِنَ الْقَسَمِ الأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ هَؤُلاءِ عَصَوْا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ (إِنَّهُمَا تَابَا) فَلا يُشْتَبَهْ عَلَيْكَ الأَمْرُ يَا طَالِبَ الْعِلْمِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ الأَشْعَرِيِّ بِتَعْبِيرِهِ بِالْخَطَإِ الْمَعْصِيَةُ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْفَقِيهُ ابْنُ فُورَك فِي كِتَابِ (مَقَالاتِ الأَشْعَرِيِّ) وَنَصُّهُ (فَصْلٌ ءَاخَرُ فِي إِبَانَةِ مَذْهَبِهِ فِي أَسْمَاءِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَقَوْلِهِ فِي الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ: اعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَيِ الأَشْعَرِيُّ إِنَّ مَعْنَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ، وَأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ ذَنْبٌ وَخَطَأٌ وَخِلافٌ لأِمْرِ اللَّهِ تَعَالَى). اهـ

وَقَدْ قَالَ الْكَمَالُ بنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِهِ لِلْهِدَايَةِ إِنَّ مُعَاوِيَةَ جَائِرٌ وَذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ كِتَابِهِ (فَتْحِ الْقَدِيرِ) وَمِثْلَهُ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْمَرْغِينَانِيُّ وَهُمَا مِنْ مَشَاهِيرِ الْحَنَفِيَّةِ فَلَوِ اطَّلَعَ عَلَى كَلامِهِمَا الَّذِينَ يَنْتَقِدُونَنَا لَسَكَتُوا عَنِ انْتِقَادِنَا عِنْدَمَا نُبَيِّنُ لِلنَّاسِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَمَنْ كَانُوا مَعَهُ فِي قِتَالِ عَلِيٍّ ءَاثِمُونَ ظَالِمُونَ.

وَأَمَّا مَنْ يُعَارِضُ حَدِيثَ (وَيْحَ عَمَّارٍ) الْمُتَوَاتِرَ بِمِثْلِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا) [أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ]، فَهُوَ بَعِيدٌ مِنَ التَّحْقِيقِ بُعْدًا كَبِيرًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَثْبُتْ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِ فِي مُعَارَضَةِ حَدِيثٍ ثَابِتٍ مُتَوَاتِرٍ فَقَدْ رَوَى حَدِيثَ (وَيْحَ عَمَّارٍ) أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ صَحَابِيًّا.

فَلا يُعَدُّ ذِكْرَ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَبًّا لِلصَّحَابَةِ إِلاَّ مَنْ بَعُدَ عَنِ التَّحْقِيقِ الْعِلْمِيِّ فَلْيُتَفَطَّنْ لِذَلِكَ. إِنَّمَا سَبُّ الصَّحَابَةِ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْكَبِيرَةِ هُوَ مِثْلُ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ سَبِّ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ عَلَى الْمَنَابِرِ كَانُوا يَلْعَنُونَهُ وَيَطْعَنُونَ فِيهِ وَفِيمَنْ وَالاهُ أَيْ قَاتَلَ مَعَهُ حَتَّى إِنَّ بَعْضَ حُكَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ أَرْسَلَ رَجُلاً فِي أَوَّلِ سَنَةٍ أَرْبَعِينَ مِنَ الْجَبَّارِينَ إِلَى الْيَمَنِ وَالْحِجَازِ لِيُؤْذِيَ مَنْ كَانَ فِي طَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَضْطَهِدَهُمْ فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُ بِأَنَّهُ أَصَابَهُ الْخَرَفُ وَفَسَادُ الْعَقْلِ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ.

وَشَرْحُ مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جُمْلَةِ تَبْلِيغِ الْعِلْمِ لأِنَّ الْمُحَدِّثِينَ دَوَّنُوهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَمَا دَوَّنُوهُ إِلاَّ لِيَفْهَمَ النَّاسُ مَعْنَاهُ وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ. وَمَاذَا يَقُولُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَنْتَقِدُونَ ذِكْرَ مَا وَرَدَ فِي مُعَاوِيَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ قَاتَلُوا عَلِيًّا بِمَا هُوَ الْوَاقِعُ إِذَا رَأَوْا نَصَّ الْكَمَالِ بنِ الْهُمَامِ وَالْمَرْغِينَانِيِّ أَيَعْتَبِرُونَ ذَلِكَ سَبًّا لِلصَّحَابَةِ أَمْ يَسْكُتُونَ وَمَاذَا يَقُولُ هَؤُلاءِ إِذَا اطَّلَعُوا عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ مِنْ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَجِيرُ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ قُلِ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَعَادَ مَقَالَتَهُ الأُولَى فَقَالَ مُعَاوِيَةُ هُوَ يَعْرِفُ مَا يَقُولُ هَلْ يَرَوْنَ هَذَا مِنْ أَبِي مُسْلِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَبًّا لِلصَّحَابَةِ.

وَقَالَ الإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِ الإِمَامَةِ (وَأَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِنْ فَرِيقَيِ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالأَوْزَاعِيُّ وَالْجُمْهُورُ الأَعْظَمُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ مُصِيبٌ فِي قِتَالِهِ لأِهْلِ صِفِّينَ كَمَا قَالُوا بِإِصَابَتِهِ فِي قِتَالِ أَصْحَابِ الْجَمَلِ وَقَالُوا أَيْضًا بِأَنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ بُغَاةٌ ظَالِمُونَ لَهُ وَلَكِنْ لا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِبَغْيِهِمْ). اهـ

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *