حديث (لا تفضلوني على يونس بن متّى) دليل على أن البارئ سبحانه ليس في جهة (من الجامع لأحكام القرءان للإمام أَبي عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد القرطبي المتوفى 671هـ)
1 يناير 2019
حديث (وإنَّ ربَّه بينه وبين القبلة) من فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حَجَر العسقلاني (ت 852هـ)
2 يناير 2019

الإيمان بالله ورسوله هو أَصل الواجبات وأفضلها وأعلاها وأولاها

الإيمان بالله ورسوله

الحمد للهِ الواحدِ القهّارِ العزيزِ الغفّارِ مُكَوِّرِ الليلِ على النّهارِ تذكرةً لأُولي القلوبِ والأبصار وتبصرةً لذوي الألباب والاعتبار وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلَّم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له وأشهد أنّ سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرَّةَ أعْيُنِنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصَفِيُّه وحبيبُه صلى الله عليه وعلى كل رسول أرسله من بعثه الله رحمة للعالمين هاديًا ومبشرًا ونذيرًا بلغَ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله عنّا خير ماجزى نبيًا من أنبيائه.

أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم القائل في محكم كتابه (وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا) (سورة الفتح ءاية 13).

إخوة الإيمان إنّ مما يجب على المكلفين الايمانَ بالله ورسوله وهو أَصل الواجبات وأفضلها وأعلاها وأولاها، فأما الإيمان بالله فهو الاعتقاد الجازم بوجوده تعالى على ما يليق به فهو تعالى موجودٌ لا شك في وجوده، موجودٌ بلا كيفية ولا كميةٍ ولا مكانٍ ولا جهةٍ، وأما الإيمان برسوله محمّد صلى الله عليه وسلم فهو الاعتقاد بأنّ محمدَ بنَ عبد الله هو رسول الله إلى الإنس والجن وأنه صادق في كل ما يبلغه عن الله.

فمعرفة الله تعالى مع إفراده بالعبادة أي نهايةِ التذلل هو أعظم حقوق الله على عباده فمعرفتنا نحن بالله ليست على سبيل الإحاطة بل بمعرفة ما يجب لله تعالى كوجوب قِدَمِه تعالى أي أزليَّتِه ووجوب وحدانيته وعلمه بكل شىء ومخالفته للمخلوقات وتنْزيهِهِ عما يستحيل عليه تعالى كاستحالة الشريك له والحدّ أي الحجمِ والشكل والهيئة والصورة والتحيُّزِ في المكان والجهة ومعرفة ما يجوز في حقه تعالى كخلق شىءٍ وتركِهِ، فقد قال الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه (غايةُ المعرفةِ باللهِ الإيقانُ بوجوده تعالى بلا كيفٍ ولا مكانٍ) أي أنَّ أقصى ما يصل إليه العبد من المعرفة بالله الاعتقادُ الجازِمُ الذي لا شك فيه بوجود الله تعالى بلا كيف ولا مكان، فقوله: بلا كيف، صريح في نفي الجسم والحيز والشكل والحركة والسكون والاتصال والانفصال والقعود عنه تعالى، فالكيفُ يشمل كلَّ ما كان من صفات المخلوقين فمَنْ أيقن بأن الله موجود بلا كيف ولا مكان فقد وصل إلى غاية ما يبلغ الإنسان من معرفة الله تبارك وتعالى.

ومعرفة رسوله صلى الله عليه وسلم تكون بمعرفة ما يجب للأنبياء من الصفات وما يستحيل عليهم وما يجوز في حقّهم.

ويجب قرنُ الإيمان برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالإيمان بالله تعالى فالجمع بين الشهادتين ضروري للنجاة من الخلود الأبدي في النار فإن من اعتقد أن الله موجود ولم يؤمن بمحمد فليس بمؤمن ولا مسلم بدليل الآية الآنفة الذكر.

وليس الأمر كما قال بعض المشركين إنا لنُعطى في الآخرة أفضلُ مما تُعطَوْن فقد قال الله تعالى مكذبًا لهم (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين) (سورة القلم ءاية 35) أي لا يتساوى عند الله الذين ءامنوا بربهم والكافرون وهو استفهام فيه توقيف لهم على خطإ ما قالوا وتوبيخٌ وتقريعٌ، فيجب الإيمان بالله ورسوله إخوة الإيمان ولا تلتفتُنَّ إلى من يُخالف ذلك فيسوّي بين المؤمن وغيره ويدعو الناس إلى عبادة ما شاءوا من دون الله والعياذ بالله فإن الآخرة ءاتية والسؤال حق وأهم ما يحاسب عليه الإنسان هو الإيمان.

أليس رُوِيَ أنَّ بعضَ كفار قريش طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبد أوثانهم سَنَة ًويعبدوا إلـهَهُ سَنَةً فأنزل الله تعالى سورة الكافرون فقال عَزَّ مِنْ قائل (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) أي قل يا محمد وأمره تعالى أن يخاطبهم بكلمة (الكافرون) (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) أي لا الآن ولا فيما بقي من عمري (وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) أي لا الآن ولا فيما يُستقبل إذ إنّ الله تعالى عَلِمَ منهم أنهم لا يؤمنون (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) هذا توكيدٌ فائدته قطعُ أطماعِ الكفار ِوتحقيقُ الإخبارِ بوفاتهم على الكفر وأنهم لا يُسلمون أبدًا ولا يؤمنون (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (سورة الكافرون) وفي هذه الآية معنى التهديد فقوله تعالى (لَكُمْ دِينُكُمْ) أي الباطل وهو الشرك الذي تعتقدونه (وَلِيَ دِينِ) الذي هو دين الحق وهو الإسلام أي لكم شرككم ولي توحيدي وهذا غاية في التبرئ من الباطل الذي هم عليه ومثل ذلك في إفادة التهديد والوعيد قوله تعالى (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) (سورة الكهف ءاية 29) أي أنّ من اختار الإيمان لا يكون كمن اختار الكفر بل من اختار الكفر مؤاخذ ومن اختار الإيمان مثاب وبقية الآية تدلُّ على هذا المراد منها (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) نسأل الله تعالى أن يحيينا مسلمين وأن يتوفانا مؤمنين وأن يعافينا من الفتن في الدين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *