مِنْ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم (الجزء الثاني)
مِنْ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم (الجزء الثاني)
30 نوفمبر 2018
تنـزيه الله عن الجسم وسائر معاني الخلق
تنـزيه الله عن الجسم وسائر معاني الخلق
9 ديسمبر 2018

بَيانُ أَنَّ اللهَ خالِقُ العِبادِ وَأَعْمالِهِمْ

بَيانُ أَنَّ اللهَ خالِقُ العِبادِ وَأَعْمالِهِمْ

بَيانُ أَنَّ اللهَ خالِقُ العِبادِ وَأَعْمالِهِمْ

إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ ونَستَعينُهُ ونَستَهْدِيهِ ونَشْكُرُهُ ونَستَغفِرُهُ ونتُوبُ إِلَيْهِ ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا وَمِنْ سَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَن يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَه، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ لَهُ ولا مَثِيلَ ولا شَبيهَ لَهُ ولا مَكانَ ولا جِهَةَ لَهُ ولا خالِقَ سِواهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَعَظِيمَنَا وقَائِدَنا وقُرَّةَ أَعْيُنِنا محمّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وصَفِيُّهُ وحَبِيبُهُ، بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الأَمانَةَ وَنَصَحَ الأُمَّةَ فَجَزاهُ اللهُ عَنَّا خَيْرَ ما جَزَى نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيائِهِ فَصَلَّى اللهُ عَلى سيِّدِنا محمَّد وَعَلى كُلِّ رَسولٍ أَرْسَلَهُ وعَلى آلِهِ وصَحابَتِهِ الطَّيِّبِينَ الطاهِرِين.

أَمَّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ القَدِيرِ القائِلِ في مُحْكَمِ كِتابِهِ في ذَمِّ الْمُشْرِكينَ ﴿أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّـٰرُ ١٦ ﴾ )( سورةُ الرَّعْد/ 16).

إِخْوَةَ الإِيمانِ لَقَدْ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ الْمُصْطَفَى في هَذِهِ الآيَةِ أَنْ يُنْكِرَ عَلى الْمُشْرِكينَ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأَصْنامَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ اللهَ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَأَنَّهُ الْوَاحِدُ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ وَلا مَثِيلَ لَهُ وَلا نَظِيرَ، وَلا خالِقَ لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْياءِ إِلاَّ هُوَ ولِذا فَهُوَ وَحْدَهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَة.

أَيُّها الأَحِبَّةُ إِنَّ مِنْ أُصُولِ عَقائِدِ الإِسْلامِ اعْتِقادَ أَنَّ اللهَ خالِقُنا أَيْ مُخْرِجُنا مِنَ الْعَدَمِ إِلى الوُجُودِ وَخالِقُ أَعْمالِنا أَيِ الَّذِي يُبْرِزُها مِنَ الْعَدَمِ إِلى الوُجُودِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِمامِ الصُّوفِيَّةِ العارِفِينَ الْجُنَيْدِ البَغْدادِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ مرَّةً عَنِ التَّوْحِيدِ فَقالَ إِنَّهُ لاَ مُكَوِّنَ لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ مِنَ الأَعْيَانِ وَالأَعْمَالِ خَالِقٍ لَهَا إِلاَّ اللهُ تَعالى اهـ وَالأَعْيانُ إِخْوَةَ الإِيمانِ هِيَ كُلُّ ما لَهُ حَجْمٌ صَغِيرًا كانَ أَمْ كَبِيرًا فَيَجِبُ اعْتِقادُ أَنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الْوُجُودِ مِنَ الأَعْيانِ أَيِ الأَحْجامِ وَالأَعْمالِ مَا كانَ خَيْرًا وَما كانَ شَرًّا وُجِدَ بِخَلْقِ اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ في مُحْكَمِ كِتابِهِ ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٦﴾ ( سُورَةُ الصَّافَّاتِ/ 96) أَيْ أَنَّ اللهَ خَلَقَكُمْ وخَلَقَ أَعْمالَكُمْ فَنَحْنُ أَيُّها الأَحِبَّةُ لا نَخْلُقُ شَيْئًا لا ذَواتِنا وَلا أَعْمالَنا إِنَّ ا نَحْنُ وَأَعْمالُنا بِخَلْقِ اللهِ تَعالى وَلا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أَعْمالِنا الاِخْتِيَارِيَّةِ كَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالصَّلاةِ وَبَيْنَ الأَعْمالِ الاِضْطِرَارِيَّةِ كَالاِرْتِعاشِ مِنَ الْبَرْدِ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ بِخَلْقِهِ سُبْحانَهُ، قالَ تَعالى ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ١٦٣﴾ ( سورة الأنعام 162ـ163) أَخْبَرَ اللهُ تَعالى بِأَنَّ صَلاةَ الْعَبْدِ وَنُسُكَهُ أَيْ مَا يَذْبَحُهُ تَقَرُّبًا إِلى اللهِ تعالى كَالأُضْحِيَةِ وَمَحْيَاهُ أَيْ حَياتَهُ، وَمَماتَهُ مِلْكٌ للهِ وَخَلْقٌ لَهُ لاَ يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ فَأَعْلَمَنَا أَنَّهُ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الأَعْمالِ الاِخْتِيَارِيَّةِ كَالصَّلاةِ وَالنُّسُكِ وَبَيْنَ ما يَتَّصِفُ بِهِ الْعَبْدُ مِمَّا لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ كَالْحَياةِ وَالْمَوْتِ، إِنَّما تَتَمَيَّزُ الأَعْمالُ الاِخْتِيَارِيَّةُ أَيِ الَّتِي تَقَعُ بِاخْتِيَارِ الْعِبَادِ وَيَكْتَسِبُها النَّاسُ بِأَنَّها هِيَ الَّتِي يُحاسَبُ عَلَيْها الإِنْسانُ وَيُؤَاخَذُ، فَما كانَ مِنْهَا خَيْرًا يُثابُ عَلَيْهِ وَما كانَ شَرًّا يَسْتَحِقُ العِقابَ عَلَيْهِ كَما قالَ اللهُ تَعالى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتۡ﴾ ( سورة البقرة ـ286 )، أَيْ مِنَ الْخَيْرِ أَيْ تَنْتَفِعُ بِذَلِكَ ﴿وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾ ( سورة البقرة ـ286 )، أَيْ وَعَلَيْها وَبَالُ ما اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الشَّرِّ أَيْ تَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ عَلى ذَلِكَ. وَالكَسْبُ إِخْوَةَ الإِيمانِ هُوَ تَوْجِيهُ الْعَبْدِ قَصْدَهُ وَإِرادَتَهُ نَحْوَ الْعَمَلِ فَيَخْلُقُهُ اللهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَالْعِبادُ أَيُّها الأَحِبَّةُ كَاسِبُونَ لِأَعْمالِهِمْ وَاللهُ خالِقٌ لِلْعِبادِ وَخالِقٌ لِأَعْمالِهِمْ وَخالِقٌ لِنِيَّاتِهِمْ وَقُصُودِهِمْ لاَ خالِقَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ وَتَعالى لا شَرِيكَ لَهُ.

أَيُّها الأَحِبَّةُ إِنَّ مَنْ يَعْقِدُ قَلْبَهُ عَلى أَنَّ اللهَ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَأَنَّهُ لاَ ضارَّ وَلاَ نَافِعَ عَلى الْحَقِيقَةِ إِلاَّ هُوَ وَيُكْثِرُ مِنْ شُهُودِ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ حَتَّى يَصِيرَ مُسْتَشْعِرًا لِذَلِكَ بِقَلْبِهِ دائِمًا تَهُونُ عَلَيْهِ مَصائِبُ الدُّنْيا وَتَهُونُ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ وَيَذْهَبُ عَنْهُ الْخَوْفُ مِنَ العِبَادِ عِنْدَ التَّمَسُّكِ بِأَحْكامِ الدِّينِ وَيَصِيرُ مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ.

اَللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ الراسِخِ وَثَبِّتْنَا عَلى الطَّرِيقِ القَوِيمِ بِجاهِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

هَذا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لي وَلَكُمْ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *