ليسَ هناكَ في الشّرْع قاعِدةٌ كلِّيَّةٌ أنّ ما كانَ مِنَ الأعمالِ أشَقَّ وأكْبَر كُلفَةً أفضَلُ مِن غَيرِه

حديث (إذَا عَمِلتَ سَيِّئَةً فأَتْبِعْها بالحَسَنة)
حديث (إذَا عَمِلتَ سَيِّئَةً فأَتْبِعْها بالحَسَنة)
4 أكتوبر 2021
ذكرٌ خفيفٌ على اللسانِ ثقيلٌ في الميزانِ
10 أكتوبر 2021

ليسَ هناكَ في الشّرْع قاعِدةٌ كلِّيَّةٌ أنّ ما كانَ مِنَ الأعمالِ أشَقَّ وأكْبَر كُلفَةً أفضَلُ مِن غَيرِه

ليسَ هناكَ في الشّرْع قاعِدةٌ كلِّيَّةٌ أنّ ما كانَ مِنَ الأعمالِ أشَقَّ وأكْبَر كُلفَةً أفضَلُ مِن غَيرِه

الحمد لله رب العالمين له النِّعمةُ وله الفضل وله الثناء الحسن والصّلاة والسّلام على سيدنا محمد خاتم النبيّين والمرسَلِين صلوات الله وسَلامه عليهم أجمعين، أما بعد، ففي كتاب الإمام أبي القاسم الطّبراني المسمَّى كتابَ الدّعوات المعروف بكتابِ الدّعاء مِن حديث أبي ذرٍّ الغِفاريِّ رضي الله عنه قال قال رسولُ الله ﷺ (إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فأَتْبِعْها بالحَسَنة) قُلْتُ أَمِنَ الحَسَناتِ يا رسولَ الله لا إلهَ إلّا الله؟ قال ﷺ (هيَ أَحسَنُ الحَسَنات).

معنى الحديثِ أنّه إذا عمِلَ العبدُ سَيِئةً صغيرةً أو كبيرةً يُتْبعُها بالحسَنة، والحسنةُ أنواعٌ كثيرةٌ منها ما هوَ منَ الفَرائض ومنها ما هوَ منَ النّوافل، فأيُّ حسَنةٍ منَ الحسناتِ مَن عَمِلها على سبيلِ السُّنَّة أي على ما يوافقُ ما جاءَ عن رسولِ الله ﷺ فإنّها تُكَفِّرُ منَ السَّيّئاتِ ما شاءَ الله، وفي هذا الحديثِ أنّ لا إله إلا الله هي أفضلُ الحسَناتِ وذلك لأنّها كلِمةُ التّوحيد بها يَدخُل الكافِر في الإسلام ولا يَدخُل بالتّسبِيح ولا بالتّكبِير ولا بالتّحمِيد ولا بغَيرِ ذلك مِن أنواع التّقديسِ لله تعالى، فلذلكَ كانَت هيَ أحسَنَ الحسَنات، فيَنبَغي الإكثارُ منها أكثرَ مِن غَيرِها مِن أنواع الذِّكْر، وفي صحيح مسلمٍ وفي كتاب الدُّعاءِ للبيهقي رحمَهما اللهُ تعالى أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قال (أَحَبُّ الكَلاَمِ إلَى اللهِ تَعَالى أَرْبَعٌ سُبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إله إلّا اللهُ واللهُ أكبَرُ) في هذا الحديثِ رسولُ اللهِ ﷺ جمَع الأربَعةَ في سِياقٍ واحِدٍ لكنَّه لم يُقدِّم ذِكْرَ لا إلهَ إلا الله بل قَدَّم ذِكرَ سبحانَ الله وليسَ ذلك للدِّلالةِ على أنّ سبحانَ الله أفْضَلُ مِمَّا بعدَها، ليسَ ذلكَ للدّلالة على أنّ سبحانَ الله أفضَلُ مِن لا إلهَ إلّا الله أمّا أن تكونَ أفضَلَ من الحَمدُ لله فذلكَ قَريبٌ محتَمِلٌ وكذلك محتَمِلٌ أن تكونَ مِن حيثُ الثّوابُ في بعض الحالاتِ أفضلَ مِن اللهُ أكبر.

الرّسول ﷺ لم يُرِدْ بهذا السِّياقِ الذي وردَ في هذا الحديثِ التّرتيبَ على حَسَب الفَضلِ، إنّما مرادُه أنّ هذه الأربعَ هي أفضَلُ الكلِمات أيْ أنها أفضَلُ مِن غَيرِها مِن أنواعِ الذِّكْر والتّمجِيد لله تعالى، هذا المرادُ، أمّا التّفاضُل فيما بينَها فيُعرَف مِن دليلٍ خَارج ءاخَر كهذا الحديثِ الذي فيه أنّ لا إلهَ إلا الله أحسَنُ الحسنَات، فقولُ الرّسولُ ﷺ إنها أحسَنُ الحسَناتِ أفهمَنا أنّها أفضَلُ مِن جميع أنواعِ الذِّكْر، ثم إنّ هذه الكلِماتِ الأربَعَ منها ما هوَ فَرضٌ في بعضِ العِبادات، اللهُ أكبَرُ فَرضٌ في تَحريمةِ الصّلاةِ لأنَّ افْتِتاحَ الصَّلاَةِ هو التّكبيرُ فنَظرًا لهذه الحَيثيَّةِ التّكبيرُ لهُ فَضلٌ خَاصٌّ حيث إنّه جُعِلَ مِفتَاحًا للصّلاةِ التي هيَ مِن أفضلِ الأعمال.
ثم إنّه ورَدَ في فَضلِ لا إلهَ إلّا الله حديثٌ صحيحٌ غيرُ هذا وهو ما رواهُ مالكٌ في الْمُوَطَّأ وغيرُه أنّ رسولَ الله ﷺ قال (أفضَلُ ما قُلْتُهُ أنا والنَّبِيُّوْنَ مِنْ قَبْلِي لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيْكَ له) وفي لفظٍ (أفضَلُ ما قُلتُه أنا والنَّبيُّونَ مِن قَبْلِي لا إلهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ له، لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ، وهو على كلِّ شىء قديرٌ) فهذا الحديثُ الصحيح الثّابت الذي رواه الإمام مالكٌ رضي الله عنه في الموطّأ وغيرُه من أئِمَّةِ الحديثِ دليلٌ واضحٌ على أنّ لا إله إلّا الله أفضلُ ما يُقال أي أفضَلُ ما يُمتَدحُ به الرَّبُّ، أفضلُ ما يُمَجَّدُ به الرَّبُّ تبارك وتعالى.

نرجع إلى شرح حديثِ أبي ذرٍّ الغِفاريّ رضي الله عنهُ الذي رواه أبو القاسم الطبرانيُّ في كتابه المعروف بكتاب الدّعاء، قال أبو ذرٍّ قال رسول الله ﷺ (إذَا عَمِلتَ سَيِّئَةً فأَتْبِعْها بالحَسَنة)، قلتُ أمِنَ الحسناتِ يا رسولَ الله لا إله إلّا الله؟ قال (هيَ أحْسَنُ الحسَناتِ)، قالَ (هيَ) أي لا إلهَ إلّا اللهُ (أحسَنُ الحسَناتِ) أي أفضَلُها، أي أنّ لا إلهَ إلّا اللهُ أفضَلُ ما يُتقرَّبُ به إلى اللهِ مع خِفَّتَها على اللِّسان وعَدَمِ المشَقَّة في النُطقِ بها.
ليسَ هناكَ في الشّرْع قاعِدةٌ كلِّيَّةٌ أنّ ما كانَ مِنَ الأعمالِ أشَقَّ وأكْبَر كُلفَةً أفضَلُ مِن غَيرِه، هذه ليسَت قاعدةً شَرعيّةً، بل منَ الأعمالِ ما هوَ أخَفُّ وهوَ أفضَلُ مِن غَيرِه مِن سائر الأعمالِ الصّالحةِ كهذه الكلمةِ الشريفةِ لا إله إلّا الله، هي خَفِيفةٌ على اللّسان لكنّ اللهَ تعالى جعلَها أفضَلَ الحسنَات، فمَهما عمِلَ الإنسانُ منَ الأعمالِ الحسنةِ فإنَّ لا إلهَ إلّا اللهُ مقَدَّمَةٌ في الفَضل عندَ الله، وذلك أنّها البابُ إِلى الإسلام، الكافرُ إذا أرادَ الدُّخولَ في الإسلام لا يَدخُلُ إلى الإسلام إلّا بها أو بما يُعطي معناها، قالَ الفقهاءُ إذا قال الكافرُ الذي يُريدُ الدّخولَ في الإسلام لا خالقَ إلّا الله صحَّ إسلامُه أي ثبتَ لهُ الإسلام، كذلك لو قالَ لا رَبَّ إلّا الله قالوا صَحَّ إسلامُه، قالوا كذلك لو قالَ لا ربَّ إلا الرَّحمنُ أو لا إلهَ إلّا الرَّحمن لأنَّ هؤلاءِ الكلماتِ كُلٌّ بمعنى لا إله إلّا الله لكنَّ أَفْضَلَ ذلكَ كُلِّه هذه الصّيغةُ لا إلهَ إلا الله، ثم مَن أرادَ الدُّخولَ في الإسلام فلَو نطَق بتَرجمَتها بلُغَتِه التي يَعرِفُها صحَّ إسلامُه ليسَ شَرطًا للدّخولِ في الإسلام أن يَنْطِقَ بِعَيْنِ اللّفظِ العَربيّ بل لو نَطَقَ بتَرجَمتِها دَخَل في الإسلام، أمّا إضَافةُ أشهدُ إلى هذه الكلمةِ مقرُونةً بأنْ أيْ قولُ أشهدُ أنْ لا إله إلّا الله قال الفقهاءُ فهو أوْكَدُ لمن يُريدُ الدُّخولَ في الإسلام، حتّى إنّ بعضَ الفقهاءِ شَذُّوا فقالوا لا يصِحُّ الدّخولُ في الإسلام بدونِ أشهدُ، هذا قولٌ شَاذٌّ لا يُعْمَلُ به، بل القولُ الصّحيحُ أنّه إذا قالَ لا إله إلّا اللهُ صَحَّ إسلامُه وإنْ كانَ الأفضَلُ لِمَن يريدُ الدّخولَ في الإسلام أن يقولَ أشهَدُ أنْ لا إله إلا الله لأنّ أشهَدُ تُعطِي معنًى يؤكّد مضمُوْنَ هذه الشهادةِ، مضمونَ هذه الكلمةِ الشّريفةِ، لأنّ أشهدُ تدُلّ على أنّ هذا المتلَفِّظَ بها يَعترفُ عن إيْقَانٍ واعتِقادٍ وعِلمٍ، ليست بمثابَةِ أعلَم، فلو قال أعلَمُ أن لا إله إلا الله ليسَت بمرتَبةِ أشهدُ أن لا إله إلّا الله، أشهدُ أن لا إله إلّا الله فيها زيادةُ تأكيدٍ لإثباتِ الألوهيَّة لله تعالى لِدِلاَلتها على الاعترافِ والاعتقادِ والإيقان.
فمعنى أشهدُ أن لا إله إلّا الله أنا مُوْقِنٌ ومعتقِدٌ وجَازمٌ بلا تردُّدٍ ولا شَكٍّ وأنا عالمٌ بأنه لا إله إلّا الله أي لا معبودَ بحَقٍّ إلا الله، أي لا يستحِقُّ أحَدٌ أن يُتَذَلَّلَ له نهايةَ التّذلُّل إلا الله، أي أن اللهَ تعالى هو المنفَرِدُ باستِحقاق نهايةِ التَّذلّل، أي أنّه هو الذي يجُوزُ أن يُتَذلَّل له نهايةُ التذلَّل، ومَن سِواه مِنْ ملائكةٍ وأنبياءَ وغَيرِهم ممّا خلَقَ اللهُ تعالى لا يَستَحِقُّ هذه العبادةَ أي التي هي نهايةُ التذلُّل.

ثُمّ كلمةُ لا إلهَ إلا الله فيها دِلالَةٌ على جميعِ ما يجِبُ لله تعالى أن يتَّصِفَ به مِن صفاتِ الكَمال التي هيَ لا تَثبُتُ الألوهِيَّةُ إلا بها، لا تَثبُت الألوهيةُ بدونِها، مِن ذلكَ الحياة تَدُلُّ على أنَّ الله حَيٌّ، تدُلّ على أنّ هذا الذي يستحِقّ نهايةَ التّذلُّل حَيٌّ ليسَ مَيّتًا، وتدُلُّ على العِلم أي تدُلُّ على أنّ هذا الإلهَ الذي هو منفَردٌ باستِحقاق نهايةِ التّذلّل عالِمٌ بكُلِّ شيء، وتدُلُّ على أنّه متَّصِفٌ بالقُدْرة أي الاقتِدار على اختراعِ ما أرادَ دُخولَهُ في الوجود.
وهذا اللّفظُ متَضمِّنٌ للإرادةِ أي أنّ الله تعالى يُخصِّصُ ما شاءَ بما شاء، يُخصِّصُ ما شاءَ بالدّخولِ في الوجودِ فيُدخِلَهُ في الوجود، ويُخَصِّصُ ما شاءَ بصِفةٍ دونَ صِفةٍ أي بَدَلَ صِفةٍ هيَ تُقابلُها، فبالمشيئةِ خَصَّص اللهُ تعالى الحادثاتِ بما فيها منْ صِفاتٍ مختلفَةٍ، هو خَصَّصَ الإنسانَ بصِفاتٍ خَاصَّةٍ به بدَلَ أن يَجْعَلَهُ كغَيرِهِ مِن مخلوقاتِه، وخَصّصَ غيرَ الإنسان أيضًا بصفاتٍ شاءَ أن يَخْتَصَّ بها.
هؤلاء الصفاتُ الأربعُ الحياةُ والعِلمُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ، هذه لا تصحُّ الألوهيَّةُ بدونها، الله تبارك وتعالى يجبُ أن يكون ذاتًا متَّصِفًا بهؤلاء الصفاتِ الأربع، الحياةِ فلا بدَّ أن يكون متّصِفًا بالحياةِ لكن ليست كحياة غيره، ومتّصفًا بالعِلم لكن لا كعِلم غيرِه بل عِلمٌ لا يُشْبِهُ عِلْمَ غيرِه، ومتّصِفًا بقُدرةٍ لا تُشْبِه قُدْرة غيره، ومتّصفًا بإرادةٍ أي مشيئةٍ لا تُشْبِه مشيئة غيره، وذلك لأنّ حياتَه أزليّة أبديّة، وكذلك عِلمُه أزليٌّ أبدي ليس مكتسبًا ليس علمًا يَحدُث له شيئًا بعد شىء بل هو عالمٌ في الأزل بعِلمٍ لا ابتداءَ لوجودهِ، كما أنّ ذاتَ الله لا ابتداءَ لوجوده فعِلمُه لا ابتداءَ لوجوده.

وكذلك يجب أن تكونَ قدرتُه غيرَ مشابهة لقدرةِ غيرِه لأن قدرتَه أزليَّة أبديّة ليست مكتسبةً ولا تَقبلُ الزّوالَ كقُدرةِ غيرِه. نحنُ قدرتُنا كانت معدومةً، لم تكن شيئًا ثم أوجَدها الله ثمّ بعدَ أن وُجِدَت تقبَلُ الزّوال والانعِدام، ثم تتَطوَّر قُدرتُنا، وكذلكَ علمُنا يتطَوّر إمّا إلى الزّيادة وإمّا إلى النّقصان، كذلك قدرتُنا تتَطوَّر إمّا إلى الزّيادة وإمّا إلى النّقصان أو الانعدام، كذلكَ إرادتُنا تتَطوّر إلى القُوّة أو الضّعْف أو الانعِدام.
وأمّا اللهُ تبارك وتعالى فتجِبُ لهُ هذه الصّفاتُ الأربعُ مِن غير أن تكونَ كصفاتِ غيرِه، أي مِن غيرِ أن تكونَ حياتُه كحياةِ غيرِه، ومِن غيرِ أن يكونَ عِلمُه كعلمِ غيرِه ومِن غيرِ أن تكونَ قُدرتُه كقدرةِ غيرِه ومِن غيرِ أن تكون إرادتُه كإرادةِ غيرِه، هيَ الإرادةُ والمشيئةُ بمعنًى واحِد لكنّ المشيئةَ ليس لها إلا معنًى واحِدٌ وهو تخصِيصُ الممكن العقلِيّ ببعض ما يجُوز عليه دونَ بَعضٍ، الإنسانُ خُلِقَ ءاخِرَ الخَلقِ وكان جائزًا في العقلِ أن يكونَ هو أوّلَ مخلوقٍ للهِ، لكنّ اللهَ تبارك وتعالى ما جعلَهُ أوّلَ مخلوقٍ بل جَعلَه ءاخرَ الخَلْق، باعتبار نوع الموجُودات وجِنسِ الموجودات البشرُ ءاخرُ الخَلق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *