الِاجْتِهَادُ وَالتَّقْلِيدُ (4)
قول الله تعالى (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)
11 يونيو 2022
الِاجْتِهَادُ وَالتَّقْلِيدُ (4)
مَا قَوْلُكُمْ فِي أَثَرِ الْوَشْمِ الَّذِي تَعْسُرُ إزَالَتُهُ هَلْ يُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ؟
12 يونيو 2022

الِاجْتِهَادُ وَالتَّقْلِيدُ (4)

الِاجْتِهَادُ وَالتَّقْلِيدُ (4)

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ لا فِقْهَ عِنْدَهُ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، الرَّسُولُ دَعَا فِي حَدِيثِهِ هَذَا لِمَنْ حَفِظَ حَدِيثَهُ فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ بِنَضْرَةِ الْوَجْهِ أَيْ بِحُسْنِ وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبِالسَّلامَةِ مِنَ الْكَآبَةِ الَّتِي تَحْصُلُ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمُ الأَهْوَالِ الْعِظَامِ وَالشَّدَائِدِ الْجِسَامِ.
الشَّاهِدُ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ (فَرُبَّ مُبَلِّغٍ لا فِقْهَ عِنْدَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ (وَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ) فَإِنَّهُ يُفْهِمُنَا أَنَّ مِمَّنْ يَسْمَعُونَ الْحَدِيثَ مِنَ الرَّسُولِ مَنْ حَظُّهُ أَنْ يَرْوِيَ مَا سَمِعَهُ لِغَيْرِهِ وَيَكُونُ هُوَ فَهْمُهُ أَقَلَّ مِنْ فَهْمِ مَنْ يُبَلِّغُهُ بِحَيْثُ إِنَّ مَنْ يُبَلِّغُهُ هَذَا السَّامِعُ يَسْتَطِيعُ مِنْ قُوَّةِ قَرِيحَتِهِ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنْهُ أَحْكَامًا وَمَسَائِلَ وَيُسَمَّى هَذَا الِاسْتِنْبَاطَ وَالَّذِي سَمِعَ لَيْسَ عِنْدَهُ هَذِهِ الْقَرِيحَةُ الْقَوِيَّةُ إِنَّمَا يَفْهَمُ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ قَرِيبٌ مِنَ اللَّفْظِ، مِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ يَكُونُ أَقَلَّ فَهْمًا مِمَّنْ يَسْمَعُ مِنْهُمْ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ، وَفِي لَفْظٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ (فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ فِي التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ، وَهَذَا الْمُجْتَهِدُ هُوَ مَوْرِدُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم (إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَإِنَّمَا خَصَّ رَسُولُ اللَّهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَاكِمَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَحْوَجُ إِلَى الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِهِ فَقَدْ مَضَى مُجْتَهِدُونَ فِي السَّلَفِ مَعَ كَوْنِهِمْ حَاكِمِينَ كَالْخُلَفَاءِ السِّتَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالْحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ وَعُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي، فأَفْهَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحَادِيثِهِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْهُ أَنَّ النَّاسَ قِسْمَانِ قِسْمٌ يَرْوِي الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الأَحْكَامِ وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَقِسْمٌ يَعْرِفُونَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الأَحْكَامِ وَهُمُ الأَقَلُّ وَهَذَا الْقِسْمُ هُمُ الْمُجْتَهِدُونَ، وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ تَكُونَ اجْتِهَادَاتُهُمْ مُتَّفِقَةً فِي كُلِّ الْمَسَائِلِ بَلْ تَخْتَلِفُ اجْتِهَادَاتُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ وَفِي ذَلِكَ رَحْمَةٌ لِلْعِبَادِ وَتَسْهِيلٌ لَهُمْ، وَأَمَّا دَعْوَةُ الأَلْبَانِيِّ أَيَّ إِنْسَانٍ أَنْ يَعْمَلَ بِحَدِيثِ (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ) فِيهِ تَشْجِيعُ الْعَوَامِّ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ وَالْعَمَلِ بِمَا يَمِيلُ إِلَيْهِ قَلْبُهُ، وَلا يَخْفَى أَنَّ الْعَامِيَّ قَدْ يَمِيلُ قَلْبُهُ إِلَى مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ فَتْوَى الْمُجْتَهِدِينَ الْمُعْتَبَرِينَ وَيَعْمَلُ بِمَا تَمِيلُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ كَانَ الْخِطَابُ فِيهِ لِوَابِصَةَ بنِ مَعْبَدٍ وَهُوَ مِنْ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ، فَوَابِصَةُ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُ مُجْتَهِدًا فَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُ بِمَا يَنْشَرِحُ بِهِ قَلْبُهُ وَلَيْسَ أَيُّ إِنْسَانٍ، وَإِلَّا لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْفَوْضَى قَالَ الأَفْوَهُ الأَوْدِيُّ:

لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لا سَرَاةَ لَهُمْ *** وَلا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا

وَالسَّرَاةُ هُمُ الأَشْرَافُ أَهْلُ الْفَهْمِ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِلْقِيَادَةِ.

وَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ حَدِيثًا أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ أَيِ اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ مِنْ حَدِيثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ) وَفِي رِوَايَةٍ (فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) وَقَدْ أَفْهَمَنَا الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَسْمَعُ مِنْهُ الشَّخْصُ الْحَدِيثَ الْمُتَضَمِّنَ أَحْكَامًا وَلا يَكُونُ عِنْدَهُ أَهْلِيَّةُ الِاسْتِنْبَاطِ وَيَحْمِلُهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ أَيْ إِلَى مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاسْتِنْبَاطِ.
وَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ (وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَسْتَخْرِجُوا الْفِقْهَ مِنَ الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ يَسْتَطِيعُونَ، فَمَنْ ثَمَّ كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مُقَلِّدِينَ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ النَّحْوِيِّينَ (رُبَّ لِلتَّكْثِيرِ كَثِيرًا) وَيَكْفِي شَاهِدًا لِذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْحُفَّاظِ مِنْهُمْ مُقَلِّدُونَ لأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ مَالِكٍ أَوْ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وَمَا أَكْثَرَ مَنْ يَكُونُ مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ مِنَ الْحُفَّاظِ فَإِنَّ الْحُفَّاظَ الَّذِينَ يُقَلِّدُونَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَكْثَرُ الْحُفَّاظِ فَمِنْ أَيْنَ لِمِثْلِ الأَلْبَانِيِّ دَعْوَى الِاجْتِهَادِ وَالِاكْتِفَاءِ بِفَهْمِهِ عَنْ تَقْلِيدِ الأَئِمَّةِ وَهُوَ لا يَحْفَظُ عَشْرَةَ أَحَادِيثَ بِأَسَانِيدِهَا فَإِذَا كَانَ الْحَافِظُ الْوَاحِدُ يَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ أَسَانِيدِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ أَحْيَانًا يَبْلُغُ إِسْنَادُهُ نَحْوَ عَشَرَةٍ وَقَدْ يَبْلُغُ عَدَدُ الإِسْنَادِ إِلَى عِشْرِينَ وَإِلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَبِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ هَذِهِ الطُّرُقِ وَالأَسَانِيدِ يُقَالُ إِنَّ فُلانًا مِنَ الْحُفَّاظِ حَفِظَ مِائَةَ أَلْفٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا الأَلْبَانِيُّ لَمْ يَبْلُغْ مَرْتَبَةَ الْمُحَدِّثِ، وَقَدْ شَهَرَهُ مَنْ لا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ بِاسْمِ الْمُحَدِّثِ وَهُوَ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَافِظٍ قَالَ أَنَا مُحَدِّثُ كِتَابٍ لَسْتُ مُحَدِّثَ حِفْظٍ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كُلِّ زَمَانٍ مُجْتَهِدًا لا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْهُ، فَقَدْ رَوَى كَمِيلُ بنُ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ (لا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَجِهِ) أَيْ لا تَخْلُو مِنْ مُجْتَهِدٍ، وَصَحَّحَ الْفَقِيهُ الأُصُولِيُّ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ لا يَخْلُو الْعَصْرُ مِنْ مُجْتَهِدٍ خِلافُ مَا اشْتُهِرَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّ بَعْدَ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ انْقَطَعَ الِاجْتِهَادُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُجَدِّدِ أَنْ يَكُونَ حَيًّا عِنْدَ تَمَامِ الْقَرْنِ مَعَ كَوْنِهِ بِصِفَةِ الْعِلْمِ وَالتَّقْوَى، ذَابًّا عَنِ السُّنَّةِ، قَامِعًا لِلْبِدْعَةِ، يَنْفَعُ النَّاسَ بِبَيَانِهِ، يُبَيِّنُ الضَّلالاتِ وَيُحَذِّرُ مِنْهَا، وَيُبَيِّنُ السُّنَنَ وَيَحُثُّ عَلَيْهَا، وَالسُّنَنُ هِيَ الأُمُورُ الَّتِي شَرَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ مِنْ فَرَائِضَ وَغَيْرِ فَرَائِضَ، وَأَوَّلُ مُجَدِّدٍ كَانَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ هُوَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الَّذِي كَانَ حَاكِمًا عَدْلًا، وَلَمْ يَجْتَمِعْ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنَ الْمُجَدِّدِينَ أَنْ جَمَعَ بَيْنَ صِفَةِ الْمُجَدِّدِيَّةِ وَالْحُكْمِ.
ثُمَّ إِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي بَيَانُهُ أَنَّ الأَئِمَّةَ تَكُونُ اجْتِهَادَاتُهُمْ فِي الْفُرُوعِ وَلَيْسَ فِي أُصُولِ الْعَقِيدَةِ كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ لا يَحِلُّ الِاخْتِلافُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ كَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَتَحْرِيمِ الزِّنَى وَاللِّوَاطِ، وَأَمَّا الِاخْتِلافُ فِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فَيَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ كَاخْتِلافِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ أَبِي بَكْرٍ عَنِ اجْتِهَادِ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ فِي مَسْئَلَةِ تَوْرِيثِ الإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ، وَكَذَلِكَ اخْتِلافُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْئَلَةِ نَقْضِ مَسِّ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ بِلا حَائِلٍ الْوُضُوءَ وَأَمَّا الَّذِي يَدَّعِي الِاجْتِهَادَ فِي عَصْرِنَا هَذَا وَيَخْرُجُ عَمَّا أَجْمَعَ الْمُتَقَدِّمُونَ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ فَيَجْعَلُهُ غَيْرَ جَائِزٍ أَوْ يَأْتِي إِلَى مَسْئَلَةٍ أَجْمَعَ الَّذِينَ مَضَوْا عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ فَيَجْعَلُهَا جَائِزَةً صَحِيحَةً فَهَذَا لا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُجْتَهِدًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا لَاجْتَهَدَ فِي حَادِثَةٍ لَمْ تَسْبِقْ فِيمَا مَضَى فَأَعْطَى فِيهَا الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ بِاجْتِهَادِهِ لِأَنَّ أُولَئِكَ مَا تَكَلَّمُوا فِيهَا بِالْمَرَّةِ لِأَنَّهَا مَا حَدَثَتْ فِي عُصُورِهِمْ، فَفِي هَذِهِ الْحَالِ يُقْبَلُ اجْتِهَادُ هَذَا الْمُجْتَهِدِ الْمُتَأَخِّرِ الَّذِي ظَهَرَ بَعْدَ الأَرْبَعِمِائَةِ فِي أَيِّ قَرْنٍ كَانَ وَكَذَلِكَ إِنِ اجْتَهَدَ بِتَرْجِيحِ قَوْلٍ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ الْمَاضِينَ قَبْلَهُ، وَهَذَا الْمَهْدِيُّ الْمُنْتَظَرُ مُجْتَهِدٌ لَكِنَّهُ لا يَنْقُضُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ مَنْ قَبْلَهُ، إِنَّمَا يُرَجِّحُ رَأْيًا مِنْ تِلْكَ الآرَاءِ أَوْ يُحْدِثُ حُكْمًا بِاجْتِهَادِهِ فِي حَوَادِثَ لَمْ تَسْبِقْ أَيَّامَ الأَوَّلِينَ، هُنَا مَجَالُ الِاجْتِهَادِ، أَمَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاجْتِهَادَ فَيَنْقُضَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الأَئِمَّةُ وَهُمْ نَحْوُ أَرْبَعِينَ أَيِ الْمَعْرُوفِينَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ ذِكْرٌ فِي مُؤَلَّفَاتِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ، وَلَيْسَ الْمُجْتَهِدُونَ الأَئِمَّةُ هَؤُلاءِ الأَرْبَعَةَ فَقَطْ، هُنَاكَ مُجْتَهِدُونَ أَخْفِيَاءُ، وَقَدْ يَتَوَهَّمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَنْقُضَ جَمِيعَ أَقْوَالِ مَنْ مَضَوْا قَبْلَهُ، وَهَذَا غَلَطٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ (إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ) فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُجْتَهِدُ وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (قَالَ الْعُلَمَاءُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي حَاكِمٍ عَالِمٍ أَهْلٍ لِلْحُكْمِ فَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ أَجْرٌ بِاجْتِهَادِهِ وَأَجْرٌ بِإِصَابَتِهِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ بِاجْتِهَادِهِ) ثُمَّ قَالَ (قَالُوا فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْحُكْمِ فَلا يَحِلُّ لَهُ الْحُكْمُ فَإِنْ حَكَمَ فَلا أَجْرَ لَهُ، بَلْ هُوَ ءَاثِمٌ وَلا يُنَفَّذُ حُكْمُهُ سَوَاءٌ وَافَقَ الْحَقَّ أَمْ لا، لِأَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ وَافَقَ الْحَقَّ فَلَيْسَ صَادِرًا عَنْ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ فَهُوَ عَاصٍ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ سَوَاءٌ وَافَقَ الصَّوَابَ أَمْ لا، وَلا يُعْذَرُ فِي شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ).

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَوْرِدَ الِاجْتِهَادِ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ لا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ مَعَ حَدِيثِ (مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ حَتَّى يُرَاجِعَهُ) أَيْ حَتَّى يَتُوبَ، شَبَّهَهُ الرَّسُولُ بِالْبَقَرَةِ أَوِ الشَّاةِ الَّتِي أُدْخِلَتْ عَلَيْهَا عُرْوَةُ الْحَبْلِ ثُمَّ هِيَ انْفَلَتَتْ مِنْ هَذَا فَعَرَّضَتْ نَفْسَهَا لِلْهَلاكِ، وَحَدِيثِ (مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) أَيْ مِيتَتُهُ تُشْبِهُ مِيتَةَ عُبَّادِ الأَوْثَانِ، رَوَى الأَوَّلَ ابْنُ حِبَّانَ وَالثَّانِي مُسْلِمٌ، فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَى وَلِيِّ الأَمْرِ مَا لَمْ يَكْفُرْ، فَلا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَى وَلِيِّ الأَمْرِ لِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِ لِمَا يَرَاهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَلا عُذْرَ لِمَنْ خَرَجَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْوَقَائِعِ الثَّلاثِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ وَوَقْعَةِ صِفِّينَ وَوَقْعَةِ النَّهْرَوَانِ، وَلَيْسَ خُرُوجُ هَؤُلاءِ اجْتِهَادًا شَرْعِيًّا دَاخِلًا تَحْتَ حَدِيثِ (إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) وَمِنْ هُنَا قَالَ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ إِنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا ءَاثِمُونَ بِمَنْ فِيهِمْ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ وَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَّا طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَذَنْبُهُمَا مَغْفُورٌ لِلْبِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ لَهُمَا بِالْجَنَّةِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي عَائِشَةَ مَغْفُورٌ لَهَا لِأَجْلِ الْبِشَارَةِ قَالَ الأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَسْبِقْ لَهُ الْبِشَارَةُ مِنْ مُقَاتِلِي عَلِيٍّ فَذَنْبُهُمْ مُجَوَّزٌ غُفْرَانُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ، نَقَلَ ذَلِكَ تِلْمِيذُ تِلْمِيذِهِ الإِمَامُ الْمُقَدَّمُ مُحَمَّدُ بنُ فُورَك، فَإِذَا كَانَ قَوْلُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (إِنَّكَ لَتُقَاتِلَنَّ عَلِيًّا وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ) يَشْهَدُ بِإِثْمِ الزُّبَيْرِ فِي قِتَالِهِ لِعَلِيٍّ أَيْ وُقُوفِهِ مَعَ الْمُقَاتِلِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا ثُمَّ انْصَرَفَ لَمَّا ذَكَّرَهُ عَلِيٌّ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَرَكَ الْمُعَسْكَرَ مَاتَ تَائِبًا وَطَلْحَةُ كَذَلِكَ انْصَرَفَ فَقَتَلَهُ مَرْوَانُ غَضَبًا مِنْهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْمُعَسْكَرَ، فَكَيْفَ بِالَّذِينَ قَاتَلُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ وَقَتَلُوا مِنْ جَيْشِهِ عِشْرِينَ أَلْفَ نَفْسٍ فِيهِمْ أَهْلُ بَدْرٍ وَفِيهِمْ أَهْلُ أُحُدٍ وَفِيهِمْ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَهُمْ خِيَارُ الصَّحَابَةِ، فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَ مَنْ قَالُوا إِنَّ مُقَاتِلِي عَلِيٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ لَيْسُوا ءَاثِمِينَ عَنِ الصَّوَابِ وَالْحَقِّ.

فَمَنْ قَالَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ اجْتَهَدَ فِي قِتَالِهِ لِعَلِيٍّ فَأَخْطَأَ فَهُوَ مَعْذُورٌ فَهُوَ غَلَطٌ لَمْ يَكُنْ قِتَالُهُ لِعَلِيٍّ عَنِ اجْتِهَادٍ شَرْعِيٍّ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَاتِلُونَنِي يَزْعُمُونَ أَنِّي قَتَلْتُ عُثْمَانَ وَكَذَبُوا إِنَّمَا يُرِيدُونَ الْمُلْكَ وَلَوْ أَنَّنِي أَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَرُدُّهُمْ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ أَنْ أَحْلِفَ عِنْدَ الْمَقَامِ وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُ عُثْمَانَ وَلا أَمَرْتُ بِقَتْلِهِ لَفَعَلْتُ وَلَكِنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمُلْكَ) رَوَاهُ الْحَافِظُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ، وَسَيِّدُنَا عَلِيٌّ أَعْلَمُ بِحَالِ مُعَاوِيَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَعْضِ الْمُؤَلِّفِينَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّهُ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَهُوَ مَعْذُورٌ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *