من هم رواة البخاري الثلاثة؟
15 أغسطس 2017
الرد الشرعي على من أباحت للمرأة أن تؤم الرجال في صلاة الجمعة وتخطب فيهم
16 أغسطس 2017

حكم حرية تصرف المرأة في مالها الخاص بدون إذن زوجها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وءاله وصحبه أما بعد، للمرأة التصرف في مالها مطلقاً سواء كان بعوض أو بغير عوض أكان ذلك بمالها كله أو بعضه وبه قال الجمهور ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة في إحدى الروايتين وابن المنذر كما في المغني 4 – 561 والإنصاف 5 – 342 وشرح معاني الآثار 4 – 354 وفتح الباري 5 – 318 وغيرهم، ومن جملة ما استدل به الجمهور ما قاله الإمام البخاري في صحيحه باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج فهو جائز إذا لم تكن سفيهة فإذا كانت سفيهة لم يجز، وقال الله تعالى (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) سورة النساء الآية 5.
ثم ذكر عدة أحاديث منها حديث كريب مولى ابن عباس أن ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها أخبرته أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال أو فعلت؟ قالت نعم قال أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك.

قال الحافظ أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال (المتوفى 449هـ) في شرح صحيح البخارى (بَاب هِبَةِ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا وَعِتْقِهَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ) (فَهُوَ جَائِزٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً فَإِذَا كَانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) (النساء 5).
فيه: أَسْمَاءَ، قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِىَ مَالٌ إِلاَ مَا أَدْخَلَ عَلَىَّ الزُّبَيْرُ، فَأَتَصَدَّقُ؟ قَالَ (تَصَدَّقِى، وَلاَ تُوعِى فَيُوعَى اللَّه عَلَيْكِ).
وقال مرة (أَنْفِقِى وَلاَ تُحْصِى، فَيُحْصِىَ اللَّهُ عَلَيْكِ).
وفيه: مَيْمُونَةَ زوج النّبِىّ، أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً، وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِىَّ عَلَيْهِ السَّلام، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِى يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ، قَالَتْ أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّى أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِى؟ قَالَ (أَوَفَعَلْتِ؟)، قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ (أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ).
وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ (صلى الله عليه وسلم)، تَبْتَغِى بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم).
اختلف العلماء فى المرأة المالكة لنفسها الرشيدة ذات الزوج، فقالت طائفة لا فرق بينها وبين البالغ من الرجال، فما جاز من عطايا الرجل البالغ الرشيد جاز من عطائها، هذا قول سفيان الثورى، والشافعى، وأبى ثور، وأصحاب الرأى، وروينا معنى ذلك عن عطاء، قال ابن المنذر وبه نقول وقالت طائفة لا يجوز لها أن تعطى من مالها شيئًا بغير إذن زوجها روى هذا القول عن أنس بن مالك، وهو قول طاوس والحسن البصرى، وقال مالك لا يجوز عطاؤها بغير إذن زوجها إلا ثلث مالها خاصة، قياسًا على الوصية وقال الليث لا يجوز عتق المرأة ذات الزوج ولا صدقتها إلا فى الشىء اليسير الذى لابد لها منه فى صلة الرحم أو غيره، مما يتقرب به إلى الله.
وحجة القول الأول أن الله تعالى سوى بين الرجال والنساء عند بلوغ الحلم وظهور الرشد، فقال (فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) (النساء 6) فأمر بدفع أموالهم إليهم، ولم يخص رجلاً من امرأة، فثبت أن من صح رشده صح تصرفه فى ماله بما شاء، وقال (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النساء 4) الآية، فأباح للزوج ما طابت له به نفس امرأته، وقال (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ) (البقرة 237) فأجاز عفوها عن مالها بعد طلاق زوجها إياها بغير استئمار من أحد، فدل ذلك على جواز أمر المرأة فى مالها، وعلى أنها فيه كالرجل سواء، واحتجوا بأمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) أسماء بالصدقة، ولم يأمرها باستئذان الزبير، وأن ميمونة أعتقت وليدة لها ولم تستأذن النبى (صلى الله عليه وسلم) وبحديث ابن عباس أنه عَلَيْهِ السَّلام خطب النساء يوم عيد وقال لهن (تصدقن ولو من حليكن) وليس فى شىء من الأخبار أنهن استأذن أزواجهن ولا أنه عَلَيْهِ السَّلام أمرهن باستئذانهم ولا يختلفون فى أن وصاياها من ثلث مالها جائزة كوصايا الرجل، ولم يكن لزوجها عليها فى ذلك سبيل ولا أمر وبذلك نطق الكتاب، وهو قوله تعالى (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (النساء 12) فإذا كانت وصاياها فى ثلث مالها جائزة بعد وفاتها فأفعالها فى مالها فى حياتها أجوز والحجة لطاوس حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى عَلَيْهِ السَّلام قال (لا تجوز عطية امرأة فى مالها إلا بإذن زوجها) فأحاديث هذا الباب أصح من حديث عمرو بن شعيب وتأول مالك فى الأحاديث التى جاءت عن النبى عَلَيْهِ السَّلام أنه أمر النساء بالصدقة إنما أمرهن بإعطاء ما ليس بالكثير المجحف بغير إذن أزواجهن لقوله عَلَيْهِ السَّلام (تنكح المرأة لمالها ودينها وجمالها) فسوى بين ذلك، فكان لزوجها فى مالها حقًا، فلم يكن لها أن تتلفه إلا بإذنه وعلى هذا يصح الجمع بين حديث عمرو بن شعيب وسائر الأحاديث المعارضة له، فيكون حديث عمرو بن شعيب واردًا فى النهى عن إعطاء الكثير المجحف، وتكون الأحاديث الواردة بحض النساء على الصدقة فيما ليس بالكثير المجحف، والله الموفق.
وأما حديث هبة سودة يومها لعائشة، فليس من هذا الباب فى شىء لأن للمرأة الشفيقة أن تهب يومها لضرتها، وإنما السفه فى إفساد المال خاصة واختلفوا فى البكر إذا تزوجت متى تكون فى حال من تجوز لها العطاء، فقالت طائفة ليس لها فى مالها أمر حتى تلد أو يحول عليها الحول، روى هذا عن عمر بن الخطاب، وعن شريح، والشعبى، وبه قال أحمد وإسحاق وفرق أصحاب مالك بين البكر ذات الأب والوصى وبين التى لا أب لها ولا وصى، قال ابن القاسم أما البكر التى لا أب لها، فلا يجوز قضاؤها فى مالها وإن عنست حتى تدخل بيتها وترضى حالها.
واختلفوا فى حد تعنيس البكر، فقال ابن وهب الثلاثين سنة إلى خمس وثلاثين وقال ابن القاسم الأربعين سنة إلى الخمس والأربعين وقال ابن الماجشون ومطرف فى اليتيمة التى لا أب لها ولا وصى تختلع من زوجها بشىء تهب له الخلع ماض، ويرد الزوج ما أخذ لأنه لا يجوز لها عطاء حتى تملك نفسها ومالها، وذلك بعد سنة من ابتناء زوجها بها أو تلد ولدًا، وخالف هذا سحنون فقال فى البكر تعطى زوجها بعض مالها وذلك قبل الدخول فيملكها أمرها أو تباريه بشىء من مالها، فقال إن كان لها أب أو وصى فلا يجوز ذلك ويلزم الزوج الطلاق ويرد عليها ما أخذ منها، وإن كانت لا أب لها ولا وصى جاز ذلك وهى عندى بمنزلة السفيه الذى لا وصى له، أن أموره جائزة، بيوعه، وصدقته، وهبته، ما لم يحجر عليه الإمام) انتهى كلام الحافظ.

وقال الحافظ ابن حجر، المجلد الخامس، كِتَاب الْهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا، باب هِبَةِ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا وَعِتْقِهَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَهُوَ جَائِزٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً فَإِذَا كَانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ (قوله باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج) أي ولو كان لها زوج فهو جائز إذا لم تكن سفيهة فإذا كانت سفيهة لم يجز، وقال الله تعالى (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) وبهذا الحكم قال الجمهور، وخالف طاووس فمنع مطلقًا، وعن مالك رضي الله عنه لا يجوز لها أن تعطي بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة إلا من الثلث، وعن الليث لا يجوز مطلقاً إلا في الشيء التافه وأدلة الجمهور من الكتاب والسنة كثيرة). اهـ

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني 4 – 561 (وظاهر كلام الخرقي الحنبلي المعروف صاحب المتن أن للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله بالتبرع والمعاوضة وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر، وعن أحمد رواية أخرى ليس لها أن تتصرف في مالها بزيادة على الثلث بغير عوض إلا بإذن زوجها وبه قال مالك). اهـ

ثم قال ابن قدامة مستدلاً لقول الجمهور (ولنا قوله تعالى (فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) وهو ظاهر في فك الحجر عنهم وإطلاقهم في التصرف وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن) وأنهن تصدقن فقبل صدقتهن، ولم يسأل ولم يستفصل، وأتته زينب امرأة عبد الله، وامرأة أخرى اسمها زينب فسألته عن الصدقة (هل يجزيهن أن يتصدقن على أزواجهن وأيتام لهن) ؟ فقال نعم، ولم يذكر لهن هذا الشرط، ولأن من وجب دفع ماله إليه لرشده جاز له التصرف فيه من غير إذن كالغلام، ولأن المرأة من أهل التصرف، ولا حق لزوجها في مالها فلم يملك الحجر عليها في التصرف بجميعه كأختها). اهـ

الحديث الذي ذكره ابن قدامة في تصدق النساء بحليهن رواه البخاري ومسلم، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه قد استدل بالحديث على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها، أو على مقدار معين من مالها كالثلث خلافًا لبعض المالكية، ووجه الدلالة من القصة ترك الاستفصال عن ذلك كله.
واحتج الجمهور على قولهم أيضًا بما ورد في الحديث عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها (أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم هو صائم وقال بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه) رواه البخاري ومسلم.

قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم في شرح هذا الحديث في الجزء الثامن، تتمة كتاب الصيام، باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة، إن من فوائده (أن تصرف المرأة في مالها جائز ولا يشترط إذن الزوج سواء تصرفت في الثلث أو أكثر وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وموضع الدلالة من الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل هل هو من مالها ويخرج من الثلث أو بإذن الزوج أم لا؟ ولو اختلف الحكم لسأل). انتهى

ولكن نقول يستحبّ للمرأة المسلمة أن تستأذن زوجها ولا يجب عليها وتؤجر على ذلك، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ (الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ وَلا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَه) رواه النسائي.

وخلاصة الأمر أنه يجوز للمرأة أن تتصرف في مالها بدون إذن زوجها فيما أحل الله، ولكن الأولى والأفضل أن تشاور زوجها في ذلك تطييبًا لخاطر زوجها ومحافظة منها على العشرة الزوجية.

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *