الكِبْر صفةٌ مذمومةٌ
انتشار العقيدة المرشدة في بلاد المغرب
2 نوفمبر 2016
الكِبْر صفةٌ مذمومةٌ
تَقْدِيرُ اللهِ لا يَتَغَيَّر
2 نوفمبر 2016

الكِبْر صفةٌ مذمومةٌ

الكِبْر صفةٌ مذمومةٌ

الكِبْر صفةٌ مذمومةٌ

بسم الله الرحمٰن الرحيم الحمد لله رب العالمين له النِّعْمَةُ ولهُ الفضلُ وله الثناءُ الحَسَن صلواتُ اللهِ البرِّ الرحيم والملائِكَةِ المُقرَّبين على سيدِنا محمد أشرفِ والمرسلين وعلى جميعِ إخوانِهِ من النبيين وعلى آله الطيبينَ وسلامُ الله عليهِم أجمعين، أما بعد، فقد قال الله تعالى ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾ سورة القصص، وقال تعالى ﴿وَلا تَـمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)﴾ سورة لقمان.

اعلموا رحمكم الله بتوفيقه أنّ الكِبْرَ صفةٌ مذمومةٌ وقد نهى الله في القرآن الكريم بآيات منها ما ذكرناه، وقد بين لنا رسوله الكريم في أحاديثٍ كثيرة معناه وعاقبتَه وإن الكِبْر يكون في كثير من الأحيان سبباً لمشاكلَ تعترض الكثيرين في حياتهم الدنيوية فضلاً عما يؤدي بصاحبه إليه من العذاب الأليم في الآخرة.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذم الكبر وتعريفه (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ) أي لا يدخل الجنةَ مع الأولين، والذرّة أي الهَبَاءُ الذي يُرى عند دخول ضوءِ الشمسِ من الكوة إلى الغرفة المظلمة، قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا، قَالَ (إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ) أي أنّ الله مُحْسِنٌ أول الصفات يحب المؤمنَ الحسنَ الخُلقِ ولا يحرم عليه الاعتناء بنظافة ثوبه وبدنه (الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ) رواه مسلم.

ومعنى بِطرِ الحقِّ دَفعُهُ وردُّه على قائِلِه، ومعنى غَمطِ الناس احتقارُهم.

وورد أيضا أن النبي قال (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ) متفق عليه، والعُتُلُّ هو الغليظ الجافي، والجوّاظ هو الجَموع المَنوع أي المُتكالب على جمع المال من أي طريق كان من حلال أم من حرام، والمَنوع هو الذي يمنع دفع المال في ما أوجبه الله فيه كالذي لا يدفع الزكاة الواجبة عليه بعد استحقاقها لغير عذر.

ويُفهم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ المتكبر هو الذي يرد الحق على قائله وهو يعلم أنه محق إما لكونه صغيراً أو فقيراً أو تلميذاً أو ضعيفاً أو نحو ذلك فيقول في نفسه (كيف ارجع عن رأيي لقول هذا التلميذ أو الصغير وأنا أكبر سناً منه)، فلو أنّ صغيراً تلقى العلم الشرعي الصحيح ثم رأى رجلا كبيرا في السن أخلّ بركن من أركان الصلاة أو بشرط من شروطها أو في وضوئه فنصَحَه نراه يتكبر عن قبول الحق من قائله ويعظم في نفسه أن يقبل هذه النصيحة، أو كما يحصل من بعض الآباء حيث لا يقبلون نُصح أبنائهم ظنا منهم أنه في ذلك إظهاراً لضعفهم وكأنهم يرون أنه لا يُتصور أن يُخطئوا في أمر ويصيب أولادهم فيه ولو أنهم عرفوا عاقبةَ المتكبر وما يجد من عذاب لما تأخروا عن قَبول النصيحة لحظة.

ومن الكِبْرِ استحقارُ الناس وهو أن يستعظمَ المرءُ نفسَه فيرى الناسَ دونُه وهو فوقهم وأفضل منهم، وللكِبْرِ صور منها إسبالُ الثوب للخيلاء أي للفخر فهذا حرام كعادة بعض الملوك والأغنياء من تطويل الثوب وجرّه على الأرض، النبي صلى الله عليه وسلم قال (مَا أَسْفَلَ مِنْ الكَعْبَيْنِ مِنْ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ) رواه البخاري، أي إن كان بقصد التكبر والفخر أما من طال ثوبه ونزل عن كعبيه ولم يقصد به التكبر والفخر والخيلاء فلا يدخل في ذلك المعنى فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي إِلا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلاءَ) رواه البخاري، وقال عليه الصلاة والسلام (لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ) رواه البخاري.

وورد في الحديث الصحيح عن وعيد المتكبرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَـمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ رأسَهُ (أي مـمشطه ومصففه) يختال في مشيته (أي يـمشي مشية المتكبرين) إِذْ خَسَفَ اللهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ) رواه البُخاري ومسلم، أي هو يغوصُ في الأرضِ وينْزلُ فيها إلى يومِ القيامَةِ.

وأما يوم القيامة فقد ورد عن عذاب المتكبرين في ذلك اليوم أنهم يحشرونَ كأمثالِ الذرِّ أي النمل الأحمر الصغير على صور الرجال يطؤهم الناس بأقدامهم ولا يـموتون وذلك بعد أن ذاقوا الموت في الدنيا.

واعلموا أن من الكِبر ما هو كُفر ككِبر بعض المشركين إذ أنهم عرفوا أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم جاء بالحق ومع ذلك ردوا دعوتَه وعارضوه كي لا يقال عنهم تركوا ما كان عليه آباؤهم وهم أسياد عندهم واتبعوا النبي الأمي بدعوى أن من اتبعه غالبهم من الفقراء والضعفاء.

فاحرصوا عبادَ اللهِ على تصفِيَةِ قلوبِكُم من هذا الداءِ المفسِدِ والصفة المذمومة، من كان على هذا الخُلُقِ الذميم فليداوِ نفسه الأمارة بالسوء بخدمة الفقراء والمحتاجين من المسلمين وبتركِ التعالي عليهم والالتزامِ بقَبولِ الحق سواء كان صادراً من كبير أو صغير وحقير أو أمير إذ لا يخفى ما في منْزلة التواضع من شرف عظيم وقدر رفيع، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلا رَفَعَهُ اللهُ) رواه مسلم، وكان يقول وهو سيد المتواضعين وإمام المتقين (اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ) رواه الترمذي وابن ماجة، والمراد بالمسكنة هنا التواضع.

وإنّ لنا في سيرة الأولياء والصالحين صورا مشرقة ونماذجَ طيبة في التواضعِ وخَفضِ الجناحِ وخدمةِ الفقراءوالمحتاجين، وها هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول قولته المشهورة حين تبين له صواب كلام امراة (أخطأ عمر وأصابت امرأة)، ولم يقل في نفسه أنا أمير المؤمنين فكيف أتراجع عن رأيي وآخذ بكلام امرأة.

يا نفسُ توبي فإنّ الموتَ قد حانا *** واعصي الهوى فالهوى ما زال فتّانا
في كل يوم لنا ميتٌ نشيِّعه ننسى بـمصرعه آثارَ *** موتانا مضَى الزمانُ وولّى العمرُ في لعبٍ يكفيك ما قد مضَى قد كانَ ما كانا

عوِّدوا أنفسكم على التواضع وعلى قبول الحق كائنا من كان قائله، وإياكم والتكبر على عباد الله فإنّ التكبر داء مفسد خطير وصاحبُه لِهواه أسير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *