
وجوب النفل بالشروع فيه وهذا فرع قاعدة أخرى وهي هل يجب النفل بالشروع؟
4 يناير 2026عمل أهل المدينة ومقولة مالك المشهورة هذا عندي أقوى من الخبر
انفرد مالك عن كثير من المجتهدين باعتماد إجماع أهل المدينة أو عمل أهل المدينة أصلا من الأصول التي بنى مذهبه عليها وقد كان اعتماد مالك لهذا الأصل مثار جدل ومناقشة بين الفقهاء، بدأت في حياة مالك رحمه الله تعالى، ولم تنته ما ظلت المناقشات الفقهية بين المذاهب.
لكن يحسُن بطالب العلم قراءة فصل صغير من كتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض، تكلَّم فيه عن رجوع الأئمة لعمل أهل المدينة، فيتبين له بإمعان النظر أن هذا الأصل عمل أهل المدينة ليس من مفردات مالك، بل مسبوق بعمل الأوائل والباب بعنوان (باب ما جاء عن السلف والعلماء في وجوب الرجوع إلى عمل أهل المدينة، وكونه عندهم حجة وإن خالف الأثر).
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى عن أصل عمل أهل المدينة:
اعلموا أكرمكم الله أن جميع أرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر إلبٌ واحد على أصحابنا على هذه المسألة، مخطئون لنا فيها بزعمهم، محتجون علينا بما سنح لهم، حتى تجاوز بعضهم حد التعصب والتشنيع إلى الطعن في المدينة وعدِّ مثالبها، وهم يتكلمون في غير موضع خلاف، فمنهم لم يتصور المسألة ولا تحقق مذهبنا، فتكلموا فيها على تخمين وحدس، ومنهم من أخذ الكلام فيها ممن لم يحققه عنا، ومنهم من أطالها وأضاف إلينا ما لا نقوله فيها.
كيف قَدَّم الإمام مالك عمل أهل المدينة على خبر الآحاد؟
كثيرًا ما يتردد السؤال (كيف يترك الإمام مالك بن أنس الحديث النبوي ويعمل بخلافه)؟
والحقيقة أن الإمام مالك لم يترك الحديث إهدارًا له، بل اعتمد على أصل رفيع يُعرف بـ (عمل أهل المدينة).
فكيف تشكّل هذا المنهج؟ وما مفهومه؟
يرى الإمام مالك أن إجماع أهل المدينة فيما طريقه النقل والتوقيف حجة قاطعة لأن أخلافهم تنقل عن أسلافهم، والأبناء ينقلون عن الآباء، فيخرج نقلهم من حيز (الظن والتخمين) إلى (حيز اليقين).
وقد استدل المالكية بحديث النبي ﷺ (إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد) والخطأ والبدعة من الخبث، فكان مجتمع المدينة مصونًا، والعلم فيه حيًا، والسنن فيه قائمة.
كذلك ومن باب تقديم القطعي على الظني فعمل أهل المدينة عند مالك يجرى مجرى التواتر لأنه فعلُ جيل كامل، بينما حديث الآحاد يفيد الظن.
فإذا تعارض العمل المستمر مع حديث آحاد، قدّم مالك العمل المتواتر لأن الاستحالة العادية تمنع أن يتفق أهل المدينة جميعًا على ترك سنة ماضية أو فعل بدعة دون أن ينكر ذلك أحد من العلماء!
فالعمل هنا لا يلغي النص، بل يضبط الناسخ والمنسوخ، ويكشف عن الخصوصية، ويثبت مقدار الدلالة.
ومن أمثلة عمل أهل المدينة:
ترك خيار المجلس
رغم ورود حديث (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) إلا أن مالكًا أخذ بعمل أهل المدينة، ورأى أن البيع عندهم بَتٌّ، وأن التفرق إنما يكون بالأقوال، بأن يقول أحدهما بعت، والآخر اشتريت، تجنبًا للتحايل أو تعليق البيوع على أمور لا حد لها.
وقد قال رجل للإمام مالك (لمَ رويتم حديث البيعان بالخيار في الموطأ ولم تعمل به؟
فقال مالك ليعلم الجاهل مثلك أني على علم تركته.
وقال رجل لمالك يا أبا عبد الله هل عرفتم حديث (البيعان بالخيار)؟
قال له أي مالك نعم وأنت تلعب مع الصبيان في البقيع!
وقال له رجل آخر (لم رويته ولم تعمل به)؟
قال له مالك أتعرف دار قدامة وهي دار مشهورة باللّهو واللعب يعني اذهب لتلعب.
نص على هذا شمس الدين محمد بن محمد الراعي الأندلسي ت ٨٥٣هـ.
كراهة صيام الست من شوال عقب العيد مباشرة
رغم علمه بحديث أبي أيوب الأنصاري إلا أنه قال (لم أرَ أحدًا من أهل العلم يصومها، وكان السلف يكرهونها ويخشون بدعتها) خشية أن يلحقها الناس بفرض رمضان مع مرور الزمن، كما عبثت الأمم السابقة بأيام صيامها.
الصاع والمد وصيغة الأذان
في مناظرته المشهورة مع الإمام أبي يوسف، استشهد مالك بمقدار الصاع والمد الذي توارثه أبناء الصحابة كابرًا عن كابر، وبصيغة الأذان المستمرة في المسجد النبوي دون انقطاع، وقال عبارته الخالدة (هذا عندي أقوى من الخبر).
الفرق بين (السنة الماضية) و (الفعل الفلتة)
فرق المالكية وأهل التحقيق كالإمام الشاطبي بين السنة المستمرة، وبين ما وقع فلتةً أو واقعة عين كسجود الشكر
لم يأخذ به مالك كسنّة راتبة لأن النبي ﷺ كانت تأتيه البشارات كثيرًا ولم يثبت مواظبته عليه، وما ورد كان نادرًا.
والمعانقة عند اللقاء
لما قدم سفيان بن عيينة وقال لمالك (قد عانق النبي ﷺ جعفرًا) بيّن مالك أن ذلك كان واقعة حال خاصة بجعفر، ولو كانت سنة عامة لكثر تطبيقها بين الصحابة لكثرة القادمين والمسافرين.
والخلاصة تقديم الإمام مالك لعمل أهل المدينة ليس تقديمًا للرأي على الحديث، بل هو تقديمٌ للسنة الحية المطبقة والمستمرة في موطن التنزيل والرسالة على خبر الفرد.
ماذا يقصد المالكية بقولهم (ليس عليه العمل)؟
والجواب ان هذه الأحاديث التي تخالف عمل أهل المدينة منسوخة وان كان سندها صحيحا فان اكثر هذه الاحاديث ليس عليها العمل
[1] لذلك لم يتوانى ابن القاسم بقول (اتق الله) ليحيى الليثي عندما علم انه يذهب الى عبد الله بن وهب الذي كان يعمل بما صح عنده من احاديث ولو خالف عمل اهل المدينة.
قال العلامة ابن القصار المالكي
اخبار اهل المدينة اخبار تواترت فكانت اولى من اخبار الاحاد.
وقال الامام مالك
سمعت من ابن شهاب أحاديث كثيرة، ما حدّثت بها قط، ولا أحدّث بها.
فقيل له لم؟ فقال ليس عليها العمل.
ففد ترك الامام مالك العمل بنحو سبعين حديثاً رواها في الموطأ، ترك مالك نفسُه العمل بها.
[2] وهل ترك الاحاديث الصحيحة المخالفة للعمل له سند من السلف؟الجواب نعم هذا عمل السلف، فقد روي عن عمر انه لم يقبل حديثا جاء على خلاف العمل به في المدينة.
[3] لماذا وضعها مالك في الموطأ ما دام لم يعمل بها؟
اجاب ابن الماجشون عن ذلك (ليعلم انا على علم تركناه).
وقد نسب بعض الاصحاب هذه الاجابة الى الامام مالك نفسه عند سؤاله لماذا تركت العمل بحدبث البيعان بالخيار وفد رويته في الموطأ.
[4] لما قدم الصحابي أنس رضي الله عنه الى المدينة وسألوه ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال (ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف) رواه البخاري فاذا علمت ان أنس مات عام 93 هـ عام مولد الامام مالك ماذا بقي لك ان تقول؟
واهل المدينة ليسوا العوام بل هم علماء ومنهم الفقهاء السبعة ومن هؤلاء اربعة من ابناء الصحابة وكان عمر بن عبد العزيز أخذهم مجلس استشاري لما ولي أمر المدينة.
وشيوخ مالك الذي اخذ عنهم بالمئات ولم يجلس للفتيا حتى شهد له سبعون شيخاً من أهل العلم، ثم يقول مالك عن أمر (لا اعرفه) اي عن شيوخي!فاعلم انه السنة وان ما خالفه هو منسوخ رحم الله مالكا ورضي الله عنه واصحابه.



